كيف عبرنا محنة السجون ؟!

كيف عبرنا محنة السجون ؟! مميز

كيف عبرنا محنة السجون ؟!
بقلم: الشيخ عبود الزمر

السجن ابتلاء من الله عز وجل قد يكون عقوبة , وقد يكون لرفع الدرجة, وعندما ينظر السجين إلى نفسه ينبغي أن يكون ذلك في إطار إساءة الظن بنفسه , بمعنى أنه يُرجع ماهو فيه إلى ذنوبه وتقصيره في جنب الله , أما إذا نظر إلى حاله فظن أنه كابتلاء الأنبياء لرفع الدرجات وجني الحسنات فهو على خطر عظيم , إذ أنه لن يستفيد من تجربته ولن يتعلم من دروس الحياة , فهو كما هو يعيش في الأوهام ولا يصحو من الأحلام , وقد يشعر السجين أنه لم يرتكب جرماً مباشراً يستحق العقوبة التي نالها , لكونه لم يفتش في ماضيه فالعقوبة الإلهية ربما تكون مؤجلة , فالباغي مثلاً في بداية حياته قد ينسى ما جنته يداه , ولكن الله أمهله ليتوب ويرد الحقوق إلى أهلها , فلما لم يصنع سلط الله عليه من يعاقبه بعد حين فسبحان الملك العدل , ولقد عشنا محنة السجون في مطلع الثمانينيات ونحن في حالة تدبر لما كنا عليه ومراجعة لما صنعناه , فبالرغم من حسن النوايا فهي لا تشفع لنا تعجل قطف الثمرة قبل النضج أو الحركة قبل تمام الاستعداد , ولكننا في النهاية رضينا بما قسم الله لنا فكان في الرضا راحة نفسية جعلتنا نرتب أحوالنا كي نستفيد من وقتنا ومضت بنا الأيام فتعلم منا في مراحل التعليم المختلفة كثيرون وصل بعضهم إلى درجة الماجستير والدكتوراة , واكتفى آخرون بمطالعة ما يفيده , كما وحفظ الغالبية القرآن الكريم , وكثيراً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد كان من بين الأمور التي ساعدت على تجاوز المحنة التعاون فيما بينهم كفريق واحد بالرغم من بعض الخلافات الفكرية إلا أن وجود نظام عام موحد جعل الكلمة واحدة فتخطينا العقبات واجتزنا المحن بوحدة الصف والتآزر فيما بيننا , كما أن التكافل بين الجميع كان سمة مميزة لمجموعتنا فكنا نأكل سوياً , فطعام الزيارات يوزع على الجميع فبرز الإيثار واختفت الأثرة , وازدادت نعم الله علينا بالشكر , كما أن الذي ساهم في تجاوز المحنة الانشغال بالدروس العلمية التي كان البعض يلقيها علينا فنتعلم منهم , ونجتهد في أن نعمل بما تعلمناه فزادت الثقافة وسمت القلوب بالتربية ونضجت العقول بالتوعية , ومما حافظ على سلامة موقفنا الداخلي مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق , فلم نكن نسمح بظلم أحد لأخيه بل كنا ننصف المظلوم ونصلح بين المتخاصمين ونرد الحقوق إلى أهلها , ولقد ساعد على ذلك أن القيادات التاريخية كانت أول من ينصف من نفسه ويعترف بخطئه ويعتذر عما بدر منه فترك ذلك أثراً حسناً في نفوس الجميع , ومما كان له أكبر الأثر في عبور المحنة التحلي بالصبر { استعينوا بالصبر والصلاة } وكنا نواسي بعضنا بعضا ونبشر بقرب الفرج من خلال بعض الرؤى التي كان يراها إخواننا , فكان ذلك يسري عنا ويعطينا الأمل المتجدد , وكنا نتريض ونروّح عن أنفسنا بالأيام الرياضية وبعض الفقرات الترفيهية التي كان يروي فيها بعض إخواننا المواقف الطريفة التي حدثت له في حياته , كما أننا تركنا الحديث في مواضع الخلاف , واجتمعنا على أعمال الخير مثل الصيام والقيام والدعاء فكان لذلك الأثر الكبير في التماسك والتحاب في الله , ولقد تركنا كثرة العتاب التي تورث البغضاء ولكن بقي التناصح بيننا مع الرفق بالمخطئ والمسيئ وفتح الطريق أمامه ليصلح من شأنه , كما كنا نرأف بالحيوان الأليف { القطط } فكان بعضنا يقوم على رعايتهم { في كل كبد رطبة أجر } . لقد كانت المحنة صعبة بلا شك ولكنها كانت مفيدة بعدد تلك الليالي التي قضاها المسجون خلف القضبان مادام يستثمر وقته ويناجي ربه , ويراجع نفسه , ويتعلم من أخيه خبرة جديدة , أو فكرة سديدة ولكن السهل ما جعله الله سهلا , فبقي الأمل في القلوب منيرا وفي العقول مستقراً حتى جاء الفرج للواحد تلو الآخر وللجمع بعد الجمع وتنفسنا نسيم الحرية وكل منا يحمل بين جنبيه تجربة مفيدة بلا شك . والله المستعان    

قراءة 3298 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top