إدارة الموقع

إدارة الموقع

إدارة الموقع

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن مركز تحكيم تابع للبنك الدولي، قضى بتعويض من الحكومة المصرية لصالح شركة طاقة إسبانية-إيطالية، بقيمة 2 مليار دولار تعويضًا لها عن توقف الحكومة عن إمدادها بالغاز الطبيعي.

وبحسب الصحيفة فإن الحكم صدر لصالح شركة يونيون فينوسا جاز وهي شركة مشتركة بين ناتورجي الإسبانية وإيني الإيطالية، أكبر منتج للغاز الطبيعي في مصر، على موردي الغاز بمصر بقيمة 2 مليار دولار تعويضا لها عن توقف مصر عن إمدادات الغاز للشركة.

وأضافت الصحيفة أن قرار المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار يأتي بعد أن أوقفت مصر إمدادات الغاز لمحطة تسييل الغاز الطبيعي في دمياط التابعة لشركة يونيون فينوسا جاز بعد أن واجهت نقصًا في الإنتاج المحلي للطاقة في أعقاب الاضطرابات السياسية التي أطلقها الربيع العربي.

ورفعت شركة يونيون فينوسا جاز القضية أمام المركز في عام 2014، والذي أصدر حكمه أمس الاثنين بعد أن وجد أن مصر بوقف إمدادات الغاز فشلت في منح الشركة "معاملة عادلة ومنصفة"، وهو ما يعد مخالفة لاتفاقية حماية الاستثمار الثنائية مع إسبانيا، بحسب ما نقلته الصحيفة عن بيان من شركة ناتورجي الإسبانية.

وقالت الصحيفة إنه من المرجح أن يتم دفع مبلغ الـ 2 مليار دولار عبر تجديد إمدادات الغاز لمحطة التسييل بدمياط أكثر من احتمال دفعها نقدًا، وفقا لمصادر على صلة بالحدث.

وكانت شركة ديليك للحفر، أعلنت في فبراير الماضي، أن الشركاء في حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين تمار ولوثيان، وقعوا اتفاقات مدتها عشر سنوات لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز الطبيعي إلى شركة دولفينوس المصرية، بحسب وكالة رويترز.

ولكن الحكومة المصرية رهنت السماح باستيراد الغاز من حقول إسرائيلية بتسوية أحكام تحكيم دولي صادرة ضد مصر منها حكم صدر في أبريل 2017 لصالح شركة كهرباء إسرائيل بتعويض 2 مليار دولار بسبب وقف إمدادات الغاز المصري لها.

الأحد, 02 أيلول/سبتمبر 2018 14:59

محاضرة في مدخل إلى علم السياسة الشرعية

                 د. عبد الآخر حماد

أولا: تعريف علم السياسة الشرعية:

                

             هو علم يبحث في الأحكام التي تنظم بها مرافق الدولة وتدبر بها شؤون الأمة، مع مراعاة أن تكون متفقة مع روح الشريعة، نازلة على أصولها الكلية محققة أغراضها الاجتماعية ولو لم يدل عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنة.[السياسة الشرعية والفقه الإسلامي للشيخ عبد الرحمن تاج 1/12]

أو هو : علم يبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدبر بها شئون الدولة الإسلامية التي يرد فيها نص أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة )).[ المدخل إلى السياسة الشرعية د. عبد العال أحمد عطوة ص: 54]

أرى أن يضاف إلى ذلك أمران: الأول شؤون الجاليات المسلمة في بلاد الغرب ، والثاني ما يخص الحركات الإسلامية وبخاصة تلك التي تهدف إلى إقامة نظام إسلامي في ديار المسلمين.

ثانياً : أهمية الأخذ بالسياسة الشرعية:

                     لما كانت النصوص الشرعية متناهية وكانت وقائع الناس وأقضيتهم غير متناهية، وجب الاجتهاد لتحصيل ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وقد قال الشهرستاني في الملل والنحل ( 1/ 198): ( والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد ) .

وقال ابن القيم في الطرق الحكمية ( ص: 13) : ( قال ابن عقيل في الفنون : جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية : أنه هو الحزم ، ولا يخلو من القول به إمام ،فقال شافعي : لا سياسة إلا ما وافق الشرع . فقال ابن عقيل :السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا نزل به وحي ، فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع : فصحيح ، وإن أردت : لا سياسة إلا ما نطق به الشرع : فغلط ، وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن ، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة ، وتحريق علي رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد وقال : لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

ونفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصر بن حجاج . ا هـ ) .

ثالثاً : مسائل هذا العلم :

       أكثر ما تجري فيه السياسة الشرعية يتعلق بالأنظمة الآتية:

1-الوقائع المتعلقة بنظام الحكم في الإسلام من علاقة الحاكمين بالمحكومين ،بتحديد سلطة الحاكم وبيان حقوقه وواجباته وحقوق الأفراد وواجباتهم وبيان السلطات المختلفة في الدولة ،ويقابله في القوانين الوضعية القانون الدستوري .

2-الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول والكيانات ،ويقابلها القانون الدولي العام .

3-الوقائع المتعلقة بالنظام المالي للدولة الإسلامية مثل موارد الدولة الإسلامية ومصارفها، ونظام بيت المال ،وقابل ذلك علم المالية العامة.

4-الوقائع المتعلقة بالنظام الا قتصادي في الإسلام من تداول المال واستثماره ومدى تدخل الدولة في ذلك ،ويقابله : علم الاقتصاد.

5-الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية من طرق القضاء والإثبات وإجراءات التقاضي ويقابله قانون المرافعات وبعض مباحث القانون الدستوري . [ المرجع السابق ص: 56 بتصرف].

رابعاً : شروط الاجتهاد في السياسة الشرعية

الشرط الأول : أن يكون الاجتهاد متفقاً مع الأحكام العامة للشريعة ، بمعنى أن يندرج ذلك الاجتهاد تحت دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة في السياسة الشرعية كسد الذرائع ،والعرف ، والمصالح المرسلة ،أو يندرج تحت قاعدة من القواعد الفقهية الكلية أو ما يتفرع عنها مثل قاعدة أن الضرر يزال ، وقاعدة أن اليقين لا يزول بالشك ، أو أن نظر الإمام في أحوال الرعية منوط بالمصلحة وغير ذلك .

الشرط الثاني : عدم مخالفة النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لأن الأصل هو التمسك بالنصوص الشرعية لقوله تعالى:( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

) [ التغابن : 12] ،( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا

[ الأحزاب: 36] وغير ذلك من الآيات والأحاديث الداعية إلى طاعة الله تعالى ورسوله.

وإنما اشترطنا ذلك لأن النظر في القواعد الكلية قد يؤدي إلى القول بإباحة شيء ما لكن يوجد نص تفصيلي خاص بالمسألة يمنع من الأخذ بتلك المبادئ العامة ، كمن يقول مثلاً بإباحة الربا لمن يودع أمواله في البنوك بحجة انعدام الضرر وأن البنك لا يمكن أن يخسر ،وأنه حين يحدد تلك الفائدة الربوية يعتمد على حسابات دقيقة لا تكاد تخطئ فإن كل ذلك مردود بالأدلة القطعية المحرمة للربا مهما كان شأنه.

وكذلك لا يقبل قول من قال إنه لا مانع من تولي المرأة رئاسة الدولة بحجة أنها مثل الرجل في الكفاءة والمقدرة وأن هناك أمثلة في التاريخ أثبتت أن المرأة قادرة على قيادة الدولة كالرجل ، وذلك لوجود نص تفصيلي في الموضوع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) [أخرجه البخاري (7099) من حديث أبي بكرة ] ، ولا يصح الادعاء بأنه خاص بالفرس ، أي لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك لما بلغه أن الفرس قد ولوا عليهم ابنة كسرى ، أقول لايصح ذلك الادعاء لأن العبرة بعموم اللفظ ،فقوله قوم نكرة في سياق النفي فهي تفيد العموم كقوله ( وما من دابة )، كما أن هذا هو فهم الصحابي راوي الحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث حيث قال كما في صحيح البخاري (7099) : ( لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارساً ملكوا ابنة كسرى فقال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) .

ونظير ذلك قول حذيفة : رضي الله عنه في آية الحاكمية : ( نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حُلْوة ولهم كل مُرَّة ، ولتسلُكُنَّ طريقَهم قِدَى الشِّراك . (تفسير الطبري : 10 / 348) . وقال الحسن : نزلت في اليهود ، وهي علينا واجبةٌ . وقال إبراهيم النخعي : نزلت في بني إسرائيل ، ورضي لكم بها ) [تفسير الطبري : 10/357 ].

فأى اجتهاد يتعارض مع النصوص الشرعية القطعية وإجماع الأمة لا اعتبار له، كما هو حال سعيد العشماوي الذي يقول بوقتية الأحكام ويطعن في قاعدة أن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب ،ولأجل ذلك يرفض الحجاب ،وكذلك قوله هو ونصر أبو زيد في قضايا المواريث ..ومن ذلك طعن آمنة ودود في حد القطع وقولها إنه وحشية .

ويتحقق هذا الشرط بأمرين :

الأول عدم وجود نص تفصيلي في المسألة ، وذلك كجمع أبي بكر للمصحف ،لأنه لم يخالف نصاً، وإن توقف فيه في أول الأمر هيبة من أن يفعل شيئاً لم يفعله النبي ، لكن عمر ما زال يقول له : هو والله خير ، حتى اقتنع .

وكذلك تدوين عمر للدواويين ،لم يخالف نصاً ولا إجماعاً.

الثاني : أن يوجد نص في المسألة يخالف مخالفة ظاهرة لما قد يؤدي إليه الاجتهاد في السياسة الشرعية ،لكن يعلم دليل على أن ذلك النص لا يقصد به الشريعة الدائمة بل هو أمر مؤقت أو كان مرتبطاً بمصلحة معينة طارئة ويمكن إجمال ذلك فيما يلي :

1-التفرقة بين ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولاً مبلغاً عن ربه وبين ما فعله باعتباره حاكماً وإماماً ، وقد عقد القرافي في الفروق فصلاً لذلك وهو الفرق السادس والثلاثون ،جعله للفرق بين تصرفه صلى الله عليه وسلم بالقضاء ،وتصرفه بالفتوى والتبليغ ،وتصرفه بالإمامة ، حيث بين أن كل ما قاله صلى الله عليه وسلم أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاما على الثقلين إلى يوم القيامة ، وأن كل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداءً به عليه السلام ، وما تصرف فيه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداءً به صلى الله عليه وسلم ، وذكر من أمثلة تصرفه بوصف الإمامة بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله وصرف أموال بيت المال في جهاتها وجمعها من محالها وعقد العهود للكفار ذمة وصلحاً ، فمتى فعل صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك علمنا أنه تصرف فيه بطريق الإمامة دون غيرها ، ومتى فصل بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبينات أو الإيمان والنكولات ونحوها علمنا أنه إنما تصرف في ذلك بالقضاء دون الإمامة العامة وغيرها ،وكل ما تصرف فيه في العبادات بقوله أو بفعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ ثم ذكر بعض المواطن التي وقع الخلاف في فهمها ومنها قوله : ( من أحيا أرضا مواتاَ فهي له ) هل هو من باب الفتوى ( مالك والشافعي ) أو من باب الإمامة فلا يجوز لأحد ان يفعل ذلك إلا بإذن الإمام ( أبو حنيفة) ، وكذا قوله لهند بنت عتبة : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) هل هو من باب الفتوى ( الشافعي ) أو من باب القضاء فلا يحل ذلك لأحد إلا بحكم قاض ( مالك ) ، وهي مسألة الظفر بالحق .[ الفروق : 1/ 357 وما بعدها]

2-التفرقة بين حكم عام وحكم معلل بعلة ظاهرة يدور معها وجوداً وعدماً .مثال ذلك النهي عن السفر بالمصحف لأرض العدو فقد أخرج البخاري (2990) ومسلم (1869) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ))،وفي إحدى الروايات عند مسلم : زيادة ( مخافة أن يناله العدو ) وفي أخرى : (فإني لا آمن عليه العدو ). قال النووي في شرح مسلم : (( فيه النهى عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث وهى خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون ... )) .

ومن ذلك اجتهاد عمر في مسألة دية القتل الخطأ وجعلها على أهل الديوان وليس العاقلة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية توجيه ذلك في المجموع ( 19/ 255) بما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية على العاقلة أنهم كانوا هم الذين ينصرون الرجل ويعينونه ، إذ لم يكن على عهد النبي ديوان ولا عطاء فلما وضع عمر الديوان كان معلوماً أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضا ويعين بعضه بعضاً وان لم يكونوا أقارب فكانوا هم العاقلة ، قال ابن تيمية : ( وهذا أصح القولين وأنها تختلف باختلاف الأحوال وإلا فرجل قد سكن بالمغرب وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى ولعل أخباره قد انقطعت عنهم ... ).

ومن ذلك في واقعنا المعاصر : النظر في قضية الإقامة في بلاد الكفر : وما ورد في النهي عن ذلك مثل حديث : ( أنا برئ من من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لاتراءا ناراهما ) [أخرجه أبو داود(2645) والترمذي ( 1604) من حديث جرير بن عبد الله ، والحديث تكلم فيه بعض أهل الحديث ، ونقل الترمذي عن البخاري أنه مرسل ، وصححه بعضهم وأورده الألباني في صحيح سنن أبي داود ].

لكن أخرج البخاري (3900) عن عطاء بن أبي رباح قال :زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي فسألناها عن الهجرة فقالت : (( لا هجرة اليوم،كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يفتن عليه،فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام واليوم يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية)) .قال الحافظ في شرحه : (( أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة والحكم يدور مع علته فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت ومن ثم قال الماوردي إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام)).[ فتح الباري ج: 7 ص: 229]

وقال شيخ الإسلام (27/39) : بعد أن ذكر أن الأصل الجامع أن يقيم الإنسان في الموضع الذي يكون فيه أطوع لله ورسوله وأفعل للحسنات والخيرات ثم قال : (( فقد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل إذا كان مجاهداً في سبيل الله بيده أو لسانه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته )).

3-التفرقة بين حكم عام وبين حكم بني على عرف قد يتغير مثل اجتهاد عثمان في ضالة الإبل وهو ما ذكره مالك في الموطأ عن الزهري : (كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تتناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ).فقد كان ترك الإبل ومثلها البقر مبنياً على قدرتها على حماية نفسها وتحصيل طعامها وشرابها حتى يجدها صاحبها،وأن الناس كانوا أهل دين وتقوى ،فلما رأى عثمان فساد الذمم وأنه يمكن أن يطمع فيها الطامعون كان ترك ضوال الإبل والبقر إضاعة لها وتفويتاً على صاحبها .

وقريب من ذلك القول بتحريم التجنس بجنسية الدول الكافرة : فقد أفتت اللجنة الدائمة للفتوى برئاسة بن باز: "لا يجوز أن يتجنس باختياره بجنسية دولة كافرة لما في ذلك من التزامه بنظمهم والتحاكم إلى قوانينهم، وتبعيته لهم، وموالاته إياهم، ومن المعلوم أن فرنسا دولة كافرة حكومة وشعباً، وأنت مسلم، فلا يجوز لك التجنس واصبر واحتسب والله المستعان"

لكن الصحيح ما ذكره الشيخ القرضاوي حيث قال : (( في بعض الأوقات كان حمل الجنسية الأوروبية ونحوها يعتبر جريمة ويعتبر خيانة لله ولرسوله وللدين وللوطن وللأمة ،ولذلك علماء تونس في بعض أوقات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي أفتى هؤلاء العلماء بردة من يحمل الجنسية الفرنسية، هذا في وقت [ كان فيه ذلك التحريم ] سبيلاً من سبل المقاومة وسلاح من أسلحة الجهاد، ولكن في الأوقات العادية، المسلم الذي يحتاج أن يذهب إلى هذه البلاد وأصبح موجوداً فيها لاشك أن حمله لجنسية هذه البلاد يقويه ولا يضعفه ...فلذلك أنا أقول حمل الجنسية في ذاته ليس شراً ولا خطراً.... فأنا إذا استطعت أن أعيش دون أن يلزمني القانون بشيء يخالف ديني فأبقى وإلا لا معنى للبقاء )).

4-التفرقة بين حكم مقصود لذاته وما كان مجرد وسيلة لغيره ،فإن الشارع الحكيم قد يشرع حكماً معيناً لكنه لا يحدد طريقة معينة لتطبيقه ، فيسمح بالتوسع في اختيار الوسائل التي يتحقق بها ذلك الحكم ، من ذلك أنه أمر بالشورى ولم يحدد طريقة معينة للقيام بها .ومن ذلك أن أخذ الجزية من الكتابيين في دار الإسلام ثابت بالقرآن والسنة ، لكن الصحابة في عهد عمر فهموا أنه ليس من شرط الجزية أن تسمى بهذا الاسم ،ولذلك قبل عمر أن يأخذها من نصارى بني تغلب باسم الصدقة وضعفها عليهم، قال ابن قدامة : (( وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة ، في كل كتابي ، عربيا كان أو غير عربي ، إلا ما خص به بنو تغلب، لمصالحة عمرإياهم...)) ثم ذكر وجوهاً تمنع من قياس كل الكتابيين على نصارى بني تغلب قال في آخرها : ((.... أنبني تغلبكانوا ذوي قوة وشوكة ، لحقوابالروم، وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا ،....فإن وجد هذا في غيرهم ، فامتنعوا من أداء الجزية ، وخيف الضرر بترك مصالحتهم ، فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة ، جاز ذلك ، إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو زيادة قالعلي بن سعيد : سمعت أحمديقول : أهل الكتابليس عليهم في مواشيهم صدقة ، ولا في أموالهم ، إنما تؤخذ منهم الجزية ،إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذمنهم ، كما صنع عمرفينصارى بني تغلب، حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم ، وذكر هذا أبو إسحاقصاحب المهذب ، في كتابه ،والحجة في هذا قصةبني تغلب، وقياسهم عليهم . إذا كانوا في معناهم )).[ المغني : 9/276].ومما يتصل بذلك محاولة الاستفادة من أوضاع الجاهلية وقوانينها في تحقيق المصلحة للمسلمين ، وهذا معترك صعب قد تزل فيه الأقدام ، ولكنا نرى والله أعلم أنه إن كان الأمر مجرد محاولة للاستفادة من وسائل الجاهلية وأنظمتها دون رضى بتلك الأنظمة الجاهلية فإنه لا بأس بذلك ، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل مكة في جوار المطعم بن عدي ، وأذن للمسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة ورضي لهم العيش في ظل حكمه وهو كافر ( قبل أن يسلم ) ، ولكنه كان حاكماً عادلاً ، وقد كان يوسف عليه السلام وزيراً لملك كافر بمصر ، وقد كان لذلك الملك وقومه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (( عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ،ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ،ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله ؛فإن القوم لم يستجيبوا له ،لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ،ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك ،وهذا كله داخل في قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

) . [مجموع الفتاوى : 20/56] .وقريب من هذا الفتوى بجواز المشاركة في الانتخابات في بلاد الغرب بشروط والتذكير بفتوى وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير قوله تعالى : قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ 

هود : 91 أن الله قد يدفع البلاء عن المؤمنين بأسباب كثيرة منها الروابط الاجتماعية بينهم وبين أبناء الوطن الذي يعيشون فيه ولو كانوا كافرين ،ثم قال رحمه الله : (( فعلى هذا لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عملة وخدماً لهم ،نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ،ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم ) [ تفسير السعدي :3/457].

5- ما كان من النصوص مشترطاً لتطبيقه شروطا قد تتخلف في بعض الحالات ، مثل عدم قطع الأيدي في الغزو، أو موقف عمر من سهم المؤلفة قلوبهم ، ويلحق بذلك تغليظ العقوبة إذا رأى الإمام ذلك كفعل عمر فيالطلاق الثلاث.

الشرط الثالث : أن يعتمد فيه على العلماء الربانيين المؤهلين علمياً للقيام بذلك ، وما يذكره البعض من أنه ليس في الإسلام كهنوت ولا رجال دين هو في نفسه قول حق وكلام صحيح ،ولكنه من قبيل الحق الذي يراد به الباطل ،فليس معنى أن الإسلام ليس فيه رجال دين أن يُترك الحديث في الدين لمن هب ودب بغير دليل ولا برهان ،وإذا كان الإسلام لا يعرف رجال الدين بالمفهوم الكنسي فإنه وبكل تأكيد يعرف علماء الدين الذين يستنبطون الأحكام من مصادرها الشرعية والذين يرجع إليهم عامة الناس في معرفة ما أشكل عليهم من أمور دينهم كما قال تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

)،وإذا كان التخصص محترماً في كل علم وفن فلماذا يكون الحديث في الإسلام كلأً مباحاً لكل أحد ، بدعوى أن الإسلام ليس فيه رجال دين ؟

إن عدم وجود هذا الضابط هو السبب فيما نراه من آراء باطلة مخالفة لما أجمعت عليه الأمة كالذي أشرنا إليه في قضية الحجاب ،وكما تقول به المدعوة آمنة ودود في رفضها كون شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد ،وأن ذلك كان بسبب القهر الذي كان يمارسه الرجال ضد النساء .وفي نفس الوقت لا يمنع ذلك من استشارة بعض المختصين في المجالات التي يراد دراستها وإبداء الرأي الشرعي فيها ، كما ترجع الآن المجامع الفقهية لآراء الأطباء والاقتصاديين وغيرهم فيما يتعلق بتخصصاتهم من المسائل المراد بحثها.

الشرط الرابع : ألا يكون الهم تبرير الواقع ومسايرة ما ألفه الناس ودرجوا عليه ،فالإسلام ليس مجموعة أنظمة فوقية أنتجتها أدمغة عربية في غابر الأزمان، ثم طال عليها العهد واستنفدت كل ما كان فيها من مبررات عائدة إلى طبيعة ذلك العصر ،كما قال جولد تسيهر في تشبيه الأحاديث النبوية بجالون من البنزين وضع في سيارة فإذا نفد البنزين وجب على من أراد السير بالسيارة بعد ذلك أن يضع هو كمية أخرى من البنزين ، وقد كذب عدو الله ،بل هي -أي الشريعة- تنزيل من حكيم خبير. مثال ذلك القول بأن الإسلام لا يمنع الردة ولا يجرمها مع أن الله يقول : ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

) البقرة 217 ،والإجماع منعقد على قتله لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ، إلا أن النخعي قال : إنه يستتاب أبداً ، والفهم الصحيح لذلك أنه لا يعني عدم قتله ، يل يعني أن من تكررت ردته يستتاب في كل مرة ، كما بينه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 12/ 270) . ومن أمثلة ذلك الرضوخ للضغوط الأوربية كما في منع التعدد إلا بإذن القاضي وعدم إيقاع الطلاق إلا عند القاضي.

الشرط الخامس : الحذر من تقديم ما يظن مصلحة على النصوص الشرعية. كفعل القاضي الأندلسي يحيى بن يحيى الليثي الذي أفتى الأمير عبد الرحمن بن الحكم لما جامع في نهار رمضان بأن كفارته صيام ستين يوماً لا عتق رقبة ،مخالفاً بذلك الحديث الصحيح في البدء بعتق رقبة قبل الصيام لأن تلك المصلحة ملغاة بحكم النص ،وهكذا كل مصلحة تخالف النصوص المقطوع بدلالتها تكون غير صالحة لأن تكون علة لإثبات حكم،فأولئك الذين يعتبرون المصالح التي استحدثتها أهواؤهم عللاً شرعية تهمل لأجلها النصوص قوم سدى لا يلتفت إليهم على حد وصف الشيخ أبي زهرة .

الشرط السادس : الاتزان والاعتدال في الأخذ بالسياسة الشرعية أو بتعبير الشيخ عبد الرحمن تاج : لزوم الاحتياط وقصد العدالة في أحكام السياسة [ السياسة الشرعية والفقه الإسلامي ص: 37].

وقال ابن القيم في الطرق الحكمية بعد أن ذكر أمثلة من وقائع السياسة الشرعية في عصر الخلفاء الراشدين : (( وهذا موضع مَزَلَّة أقدام ، ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ، ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة ، فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرءوا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، محتاجةإلى غيرها ، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له ، وعطلوها ، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع ، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع ... فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلا ، وفساداً عريضا فتفاقم الأمر ، وتعذر استدراكه ... وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة ، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله ، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، وأنزل به كتابه ،فإن الله سبحانه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ، ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات ، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه ..... فلا يقال : إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع ، بل هي موافقة لما جاء به ، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم ، وإنما هي عدل الله ورسوله ، ظهر بهذه الأمارات والعلامات،فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة ، وعاقب في تهمة ، لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله - مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ، وكثرة سرقاته ، وقال : لا آخذه إلا بشاهدي عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الغال من الغنيمة سهمه ، وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده... وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة ... ،وقال في تارك الزكاة : ( إنا آخذوها منه وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا ) .... وأمر بقتل شارب الخمر بعد الثالثة والرابعة ولم ينسخ ذلك ، ولم يجعله حداً لا بد منه بلهو بحسب المصلحة إلى رأي الإمام ، وكذلك زاد عمررضي الله عنه في الحد عن الأربعين ونفى فيها....) .

هذا والله تعالى أعلم

عبد الآخر حماد

الأربعاء, 29 آب/أغسطس 2018 12:17

رسالة إنذار

بقلم /سلطان إبراهيم  

حقيقة تدعو إلى التفكر والانتباه حين نفقد عشرة من خيرة أحبابنا في الله في مدة شهر من 28 يوليو إلى 27 أغسطس .. يا إلاهي عشرة من خيرة الرجال ممن صبروا وثبتوا وعرفو الطريق والتزموا بالهدى عشرة من الطيبين الطاهرين وحملة القرآن في شهر واحد والغريب ان الأسباب قد تنوعت فمنهم الغريق في البحر كأخينا الشيخ حسن الطاهر والغريق في النهر كأخينا محمد عبد الحفيظ الشاعر ومنهم المرضى بأمراض مختلفة ومنهم من فاجأه المرض ووافته المنية سريعا وفيهم شريحة الشباب وليسوا كبار السن كلهمفعي رسالة لنا جميعا كي ننتبه ونستعد ونحسن فالموت يأتي بغتهة وهو قريب منا ومن أحبابنا وأهلينا يأتي بأشكال مختلفة وصور متعددة للسصحيح والسقيم
فهلم فلنراجع أنفسنا في مسيرة حياتنا .. في همتنا في الدعوة إلى الله تعالى في التوبة والإنابة فلسنا ندري من سيكون القادم 
من دوحنا تتساقط الأوراقُ**يا موت كم لأحبتي تشتاقُ
كم تصطفي من خيرة الأصحاب كم**تدعوهمو فتهزنا الأشواقُ
أرأيتهم يا موت من أهل التقى** الطيبين تزينهم أخلاقُ
أعرفت قصة صبرهم ومسيرهم ** نحو الفداء وكلهم سبّاقُ
مُذ أبصروا درب الهداية شمروا ** للحق تحكي عنهم الآفاقُ
قد صاحبوا القرآن في ترحالهم ** صفت النفوس و طابت الأعماقُ
هتفت قلوب الصالحين إلهنا ** نرجو رضاك ..يؤزنا الإشفاقُ
هم كالنسيم يمر بين ديارنا ** عبقا وهم لجراحنا الترياقُ
مروا سريعا بالربوع فعطروا ** تلك المنازل واستقرُّ وفاقُ
يا راحلين وقد تركتم قلبنا ** في لوعة شهدت بها الأحداقُ
كيف المقام وقد تأجج في الحشا ** لهب المواجع حين حان فراقُ
يا ربنا يا من جمعت قلوبنا ** بالحب فيك هنا فطاب عناقُ
اجمع هنالك بيننا في جنة ** نحيا بها كي ينتهي الإرهاقُ


الأحد, 26 آب/أغسطس 2018 11:28

الفصل بين الدعوي والسياسي

إ

 بقلم الشيخ / على الديناري 
 

كلما أُطلق الحديث حول مايسمى بـ "الفصل بين الدعوي والسياسي" ثار نوع من الجدل والتنازع دون أن نصل الى شيء مستفاد من هذا الجدل.

الصحيح أن أي مسألة اذا طُرحت للحوار فلابد أن يؤدي الحوار الى مزيد من وضوح الصورة وتمايز أجزاء الموضوع وظهور قاعدة ما أو استثناءات ما على هذه القاعدة فما السبب في عدم حدوث شيء من ذلك في هذه المسألة؟

الأسباب في وجهة نظري:

ـ أن هذا الأمر جديد على الحركة الاسلامية لم تتعرض له من قبل ولم تكن هناك حاجة اليه قبل التطورات الأخيرة التي تقدمت فيها الحركة خطوات واسعة نحو المشاركة في الحكم بعد أن كانت فقط تقف لتؤصل وتنظر وتتمتع بسوق الأماني الحالمة

ـ وسبب آخر هو اشتباه تعارض هذا الفصل مع ما نؤمن به من شمولية الاسلام وعدم قابليته للتجزئة (ادخلوا في السلم كافة )(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)؟

ـ وسبب ثالث هو أن المطالبة بالفصل بين الدعوي والسياسي تأتي احيانا من جانب معسكر الرافضين للاسلام عامة أو للفكر الاسلامي وتطبيقاته المعاصرة

ـ أما السبب الهام في وجهة نظري هو أنه الى الآن يظل عنوان"الفصل بين الدعوي والسياسي " مجملا دون تفصيل مُبهما دون تفسير مُشكلا دون تمييز بينه وبين أشباهه وأشكاله ملتبساغير منفصل عن معان أخرى تسبب فزعا حين نسمع أي مطالبة بها. إنه يشبه الكلمة المشؤمة"0لادين في السياسة ولاسياسة في الدين" التي خاضت الحركة الاسلامية معارك شرسة وضحت بالكثير من أجل محوها من الأذهان ومن الواقع

الفصل بين الدعوي والسياسي إذن دخل في جملة المصطلجات الكثيرة التي مازلنا الى الآن لانقف لها على تعريف واضح فهو وسم وضع على مولود ليست أمامنا بياناته وبالتالي كلما أطلق الاسم تصوره كل منا بتصور يختلف عن الآخر . بعضنا يبتهجون بينما آخرون ينزعجون من مجرد الاسم

انه يشبه مصطلح الاصطفاف " الذي بدا جميلا في نحته وتشبيهه لكنه الى الآن لم يقدم أحد رؤية كاملة عن هذا "الاصطفاف" ومفهومه، وحدوده، ومع من؟ دون من؟ وحول أي شيء يكون ؟وما نوع العلاقة في هذا الاصطفاف؟ هل هو تنسيق؟ أم تعاون؟ أم تحالف؟ أم اتحاد ؟أم اندماج ؟أم ماذاحتى يمكن تصوره وبالتالي مناقشته ومن هنا (من هذا الاجمال والغموض )يثار الفزع من احتمال الاصطدام بثوابت في عقيدة كل طرف ومن الذوبان والتلاشي وسط كيانات أو أفكار مرفوضة أو حتى إقرارهذه الأفكار أو العقائد.

من أجل ذلك فلابد قبل عرض مايسمى بـ "الفصل بين الدعوي والسياسي" أن تعطى بيانات هذا المولود لا أن نتعامل مع مجرد اسم مشتبه مع غيره من الأسماء ولنبدأ أولا بمناقشة البيانات أو الصفات التي يتمتع بها هذا المولود أوالعناصر التي يجب أن يحلل اليها هذا المركب أو الأجزاء التي يتكون منها هذا الجسم الغريب الى الآن فنوضح مثلا :

ـ ما المقصود بالفصل بين الدعوي والسياسي؟

ـ صور الدمج بين الدعوي والسياسي أو أمثلة واقعية من الدمج)

ـ إيجابيات وسلبيات الوضع القائم (الدمج بين الدعوي والسياسي)

ـ مجالات الفصل أي في اي مجال يمكن ان يتم هذا الفصل :

هل في الاعتقاد؟

هل في الفكر ؟

هل في الحركة والادارة ؟

هل في المؤسسات وحدها ؟

هل في الاشخاص فيمنع العالم او الداعية مثلا من الحديث او التدخل في السياسة ؟

ـ ماهي حدود امورالسياسة التي سنفصل بينها وبين امور الدعوة ؟ أو ماهو المقصود بالدعوي وماهو السياسي ؟

ـ وماصور هذا الفصل؟

ـ وهل هناك امثلة او تجارب حية في هذا المجال؟

ـ ومن الذي يطالب التيار الاسلامي بالفصل ومالغرض من وراء ذلك ؟

ـ ايجابيات وفوائدالفصل بين الدعوي والسياسي

ـ سلبيات الفصل

ـ كيف يتم الفصل؟

ـ ضوابط الفصل بين الدعوي والسياسي

أظن أن الاجتهاد في رسم صورة حقيقية لمايقوم حوله الحوار وابداء الرأي بالموافقة أو الرفض يمكن أن يؤدي الى نتائج كثيرة تنضج الفكرة قبل الموافقة أو الرفض ولا أدعي أن الفكرة يمكن أن تتمتع بقبول أو رفض وإنما فقط ليوافق من يوافق عن بينة وليرفض غيره ةكذلك عن بينة فيكون الخلاف صحيا وليس بداية لمرض جديد من جملة الخلافات المشؤمة التي مازالت تنهش في جسم الحركة الاسلامية .

أقرّ البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان أمس، السبت، بالفضيحة الجسيمة التي تسبب فيها الاستغلال الجنسي للصغار في أيرلندا

على يد أعضاء في الكنيسة مكلفين بالمسئولية عن حمايتهم وتعليمهم.

وفي أول زيارة بابوية لأيرلندا منذ 39 عاما، قال "فرانسيس" إن إخفاق الكنيسة في التعامل كما ينبغي مع

الجرائم "المقيتة" للاستغلال الجنسي للأطفال هناك يظل مصدر خزي لطائفة الكاثوليك.

 

ووفقا لوكالة "رويترز"، وصل فرانسيس اليوم السبت في زيارة مشحونة

لمجتمع تغير كثيرا منذ خروج أكثر من ثلاثة أرباع الأيرلنديين لرؤية البابا يوحنا بولس الثاني

في عام 1979 وأزعجته فضائح الانتهاكات الجنسية التي أغرقت الكنيسة الكاثوليكية  في أزمة.

وقال البابا فرانسيس خلال استقبال رسمي حضره بعض ضحايا الانتهاكات الجنسية: "لا يمكنني ألا أقر بالفضيحة الجسيمة التي تسبب فيها الاستغلال الجنسي لصغار في أيرلندا على يد أعضاء في الكنيسة مكلفين بالمسؤولية عن حمايتهم وتعليمهم".

وأضاف "إخفاق السلطات الكنسية، الأساقفة وكبار رجال الدين والقساوسة وغيرهم، في التعامل مع هذه الجرائم المقيتة كما ينبغي أدى لزيادة الغضب وما زال مصدرا للألم والخزي للطائفة الكاثوليكية".

ومن المتوقع أن تكون أعداد من سيصطفون في الشوارع أو ينضمون للبابا فرنسيس للصلاة حوالي ربع العدد الذي استقبل البابا يوحنا بولس الثاني وبلغ 2.7 مليون شخص. ويدل ذلك على مدى تراجع التمسك بالمذهب الكاثوليكي في أيرلندا منذ الكشف عن حالات الاعتداء الجنسي على أطفال في التسعينيات.

 

ومن المتوقع أن يظل عدد من المقاعد في المناسبات البابوية فارغًا كجزء من حملة حثت الناس على حجز تذاكر مجانية مع عدم الحضور كشكل من أشكال الاحتجاج الصامت والسلمي لانتقاد "قبضة" الكنيسة الكاثوليكية الخانقة للثقافة والحكومة في إيرلندا.
الجمعة, 24 آب/أغسطس 2018 22:43

فرحة العيد تولت

 

كلمات / سلطان إبراهيم 

آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا وجع القلب 
خبر مرعب ..مفزع ..مقلق .. مقرف ..مؤذي ..محزن ..مؤثر ..مدمر ..فوق الوصف ..يتجاوز الحدود بالله ما هذا الخبر المرعب ؟ كيف وصل الحال إلى هذه الدرجة ؟أين الرحمة والإنسانية ؟ أين وأين وأين ...رحماك يا ربي...
خبر كفيل بأن يضيع بهجة العيد وأن يسرق الفرحة من مصر كلها ففي يوم عيد الأضحي المبارك .خرج أبّ إلي الحديقة بصحبة طفليه البريئين ، ليفرحوا بالعيد ، ولكن الذئاب لم تترك للبراءة سبيلا إلي الحياة ، خرج الاب الي الحديقة ليسعد طفليه بالمرجيحة ، وعند وجود الطفلين في المرجيحة ، نادي رجل علي الاب ، وقال له أنت صديق الطفولة ، فشاغله وانشغل الاب به ، ولما انتهي الكلام ورجع الاب إلي المرجيحة لم يجد الطفلين ، فصار كالمجنون يبحث عن طفليه دون جدوي ، وفي اليوم التالي عُثر علي الطفلين مقتولين تحت كوبري في كفر سلسيل بالدقهلية .
ما هذه القلوب التي نُزعت منها الرحمة ، اللهم انتقم من هؤلاء القتلة شرّ انتقام ..
وقد كتبت 
في هذه الفاجعة ما لا يوفي بحقها أبدا أبياتا بعنوان (فرحة العيد تولت )
**
فرحة العيد تولّت يا صغاري ** وبكي قلبي وحرّقت بناري
زهرة الدنيا حياتي كلها** والأماني في اخضرار وازدهار 
جئمتما والفرح سبَّاق الخطى ** وابتسامات على وجه النهار
كنسيم الفجر قد داعبتما ** زهرة بالحب في أبهى نضار
كيف عني تهتما في زحمة ** أي كف قد غدت تشعل داري
أي قلب في حنايا غادر ** يقتل الأفراح يسعى في الدمار
أيها الذئب الذي قد يستحى ** منه ذئبان البوادي والبراري
شلت الأيدي وخبتم دائما ** وغشاك الكرب في كل اختبار
يا إله العرش قلبي تائه ** إنت من يهدى إلى حسن اصطباري
إن طغى الهم فحسبي أنكم** يا إله الكون من يهدي مساري

الجمعة, 24 آب/أغسطس 2018 22:37

وداعا حارس الصرح *


شعر / سلطان إبراهيم 
الضاد تبكي حارسا للصرح ** لغة البطولة منَ يجيء بفتحِ؟!
العشق درعٌ للفتى وحسامه ** نبض يهلُّ على الفؤاد بصبح 
من أي نبع يا ترى سلساله **قد فاض رقراقا بساح الشرح 
عَبَرَ المدى وكأنما هو صفحة **من سفْر عزٍّ تستقر بلوحِ
قد جاءنا من بعد أن كاد الظما ** يودي بأنفسنا بوبل ٍ سمحِ
لما رأينا من بكفهم الدوا ** جاءوا لرش الملح فوق الجرح
كم خالط الغث السمين وكم سرت **دعوى القبيح تؤزهم للقبح
كالفجر جاء تحفُّهُ انسامه ** بالعطر يحذي الدار طيب النفح
قد عانقت أرواحه أرواحنا ** فبأي سر جئتنا يا (فتحي )
كم درٍة أحضرتها من أبحر ** يا مولهًا بالغوص بعد السبح
نلقاك نوقن أن قلبك عاشق ** لبلاغة القرآن إذ تستوحِي 
أفصحت كيف أتى الحديث مبينا ** لجوامع الكلمات عند النصح 
وشدوت شعر العُرْبِ صرت مغردا ** أطربت أفئدة بعذب الصدح
وسقيتنا شهد الفصاحة سائغا ** من كفك المعتاد جود المنح
نبهتنا للخصم جاء بمكره **يرمي السهام وطاعنا بالرمح
يسعى لهدم حصوننا بخديعة ** تبدي الخسارة للورى كالربح
لكنما أهل النهى لم يحفلوا ** ببريق زيفهم وخبث الطرح
وصمدت أنت فكنت أشجع فارس **بالعاديات كررت ياللضبح
وحملت سيف بسالة في وجه من **قصد البيان اليعربي بنطح
ولقد نفثت فينا العزم حتى أننا ** صرنا نراك إمامنا في الكدح
يا أيها البطل العظيم فديتنا ** عند الوطيس وفي اشتداد اللفح
يا صاحب القلب المليئ شهامة** ونبالة ما كنت أهل الشُّحِ
كسنابل الخيرامتلأت تواضعا ** ما مال غير الممتلي بالقمح
غرس نبيل لا يكف عن العطا **والجذر ممتدٌ وظل الدوح
ماذا أقول وكل حرفي عاجز **وقت الرحيل لكم يهيّج بوحي
أنا إن عجزت فإن حسبك من يرى **صنع الجميل وما خفى من لمح
ولقد سألت الله جل جلاله **كي ما يمنُّ عليكمو بالصفح
ويثيب سعيكمُ بدار كرامة ** بين الهداة ومن سعى بالصلح
ــــــــــــــــــ
في رثاء استاذنا الجليل ووالدنا الكريم ( صاحب كتاب اللغة الباسلة الأستاذ الدكتور فتحي جمعة رحمه الله تعالى )
الجمعة, 24 آب/أغسطس 2018 22:32

العيد في عيون الشعراء

 

Share

د أحمد زكريا عبداللطيف

للعيد فرحة قوية مؤثرة في نفوس الخلق،لكن عندما تصبح قسوة الأحداث أشد ضراوة وقوة،تتحول مشاعر الفرحة وطاقة الابتهاج إلى مزيج من المرارة والحسرة،تستنزف كل ما في القلب من أحزان دفينة،وآهات مكتومة.

وأصعب شعور عندما يشعر طفل صغير كان ينتظر العيد ليفرح ويسعد أن فرحته مغتصبة وبسمته مسروقة.

وقد عاش الشعراء تلك المعاني الاستثنائية القاسية فأبدعوا في تصويرها.

فهاهو الشاعر السعودي محمد الأحمدي في قصيدته (العيدُ جاء) ينكأ جراح قلوبنا على أطفالنا في فلسطين والعراق وسوريا ومصر،فآباؤهم بين مقتول وأسير ومصاب ومطارد،فكيف للفرحة أن تطرق أبواب قلوبهم؟!

الْعِيدُ جَاءْ

لِكِنَّ طِفْلاً لَمْ يَزَلْ

يَبْكِي لِفَقْدِ أُبُوَّةٍ مَدْفُونَةٍ فِي بَيْتِهِ

ذَاكَ الْمَسَاءْ

خَطَفَتْ قُوَى الْعُدْوَانِ بَسْمَتَهُ الصَّغِيرَةَ ،

غَيْرَ أَنَّ شُمُوخَهُ عِنْدَ السَّمَاءْ

وَعَلَى رَوَابِي الْقُدْسِ تَشْدُو لَحْنَهَا الأَطْيَارُ

تَحْلُمُ أَنْ تَرَى الأَقْصَى طَلِيقًا فِي رَخَاءْ!

أي عيد يُقْبل والطفل يفقد أُبُوَّته المدفونة؟! أي عيد هذا وقُوى العدوان تخطف البسمات الصغيرة؟! إن شاعرنا الأحمدي يحس بقدوم العيد؛ ولكنه يتألم كثيرًا حين يرى أطفال فلسطين يدفنون آباءهم، وأطيار الأقصى مسجونة، تحلم أن تكون طليقةً في رخاء! إذن للعيد معنى آخر لدى شاعرنا الأحمدي هو معنى الحرية، وعزة الأمة على أعدائها، وليس العيد ملابسَ جديدة، أو حلوى فاخرة، أو بَهْجَة على أَنَّات الجَرْحَى من المسلمينَ!! ولذلك ينقلنا إلى الصورة المقابلة صورة المُجَاهدة، والمصابرة، ومُقارَعَة الأعداء، صورة الإيمان الصادق، هكذا هو العيد كما يراه الشاعر:

الْعِيدُ جَاءْ

وَمَآذِنُ الإسْلامِ تَصْدَحُ بِالتِّلاوَةِ وَالدُّعَاءْ

وَمُجَاهِدٌ لِلَّهِ يَرْفُضُ أَنْ يَعِيشَ عَلَى الْمَهَانَةِ

أَوْ يُدَنِّسُ أَرْضَهُ الإفْرِنْجُ أَحْفَادُ الْبِغَاءْ

فَمَضَى يَدُكُّ عُرُوشَهُمْ

وَيُذِيقُهُمْ كَأْسَ الرَّدَى

وَسِلاحُهُ الإيمَانُ

يَدْفَعُهُ الإِبَاءْ!

هذا الشعر يتفتح من خلال السهولة لا الغُموض، يُخاطب ثُلَّة من المجاهدينَ القابضِينَ على دينهم والزِّناد، يُبَشِّر بالنصر بالرغم من جِراحنا المثْخَنَة، وبالرغم من كثرةِ الأعداء، ونُكُوص الأحبابِ والأصدِقاء، لذا تَنْحُو القصيدة إلى بُؤَرٍ مُضيئة، تبث الأمل مكان الشَّجَن.

وعندما نحاول تصور العيد بأفراحه وأتراحه نتوجه حتما إلى شاعرنا الكبير عبدالرحمن العشماوي، الذي يبث مشاعره بقلب مَكْلُومٍ حزين، فيحْزننا معه في قصيدته النازفة: “غِبْ يا هلال“:-

غِبْ يَا هِلالْ

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ قَهْرَ الرِّجَالْ

قِفْ مِنْ وَرَاءِ الْغَيْمِ

لا تَنْشُرْ ضِيَاءَكَ فَوْقَ

أَعْنَاقِ التِّلالْ

غِبْ يَا هِلالْ

إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكَ

حِينَ تَلْمَحُنَا الْخَيَالْ

أَنَا يَا هِلالْ

أَنَا طِفْلَةٌ عَرَبِيَّةٌ فَارَقْتُ

أُسْرَتَنَا الْكَرِيمَةْ

لِي قِصَّةٌ دَمَوِيَّةُ الأَحْدَاثِ بَاكِيَةٌ أَلِيمَةْ

أَنَا يَا هِلالْ

أَنَا مِنْ ضَحَايَا الاحْتِلالْ

هذا هو العيد لدى شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، إنه العيد الذي يَغْدُو قصة طفلة مسلمة باكية متألّمة في فِلَسْطين! هكذا تَتَشَظَّى الذَّاتُ الإسلاميَّة عنده إلى مزيد من الجِرَاح والآلام؛ لكنَّها المعاناةُ والأحزان والفجائع التي تُحَرِّضُنا على الفعل، وتمضي بنا إلى ذاك التفاؤل في مُخَاطَبَة الروح المُحَلِّقَة الأبيَّة للضَّيْم:

غِبْ يَا هِلالْ

وَاطْلُعْ عَلَيْنَا حِينَ يَبْتَسِمُ الزَّمَنْ

لا تَأْتِ بِالْعِيدِ السَّعِيدِ

مَعَ الأَنِينْ

أَنَا لا أُرِيدُ الْعِيدَ

مَقْطُوعَ الْوَتِينْ

أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ فِي حَلْوَى

وَأَثْوَابٍ جَدِيدَةْ

أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ تَهْنِئَةٌ فِي جَرِيدَةْ

إِنَّ دلالة العيدِ في ذاكرة العَشماوي الشعرية تأخُذُ أبعادًا عميقة تتخَطَّى السعادة الحسيَّة والمظاهر الدُّنيوية البَرَّاقة، إنها تتعدَّى ذلك إلى رُؤًى معنوية، إلى بعث طاقة عِزٍّ للإسلام، وفَرَحٍ حقيقيٍّ بالنصر على أعداء الله أينَما وُجِدُوا! وهل من مَرح وفرح في العيد مع الأَنِين؟! أَنَّى يكون العيد وبراعم الأقصى ثَكَالى وجائِعُون؟ من هنا يُشْعِل الشاعر جراحنا النازفة بكثير من الصور الساخرة المُؤْلِمَة، فهل يُوقِظُنا ذلك؟!

عِيدٌ سَعيدٌ يَا صِغَارْ

وَبَرَاعِمُ الأَقْصَى عَرَايَا جَائِعُونْ

وَالطِّفْلُ فِي لُبْنَان يَجْهَلُ مَنْشَأَهْ

وَاللاَّجِئُونَ يُصَارِعُونَ الأَوْبِئَةْ

تنهض القصيدة هنا من خلال الجملة الاسمية؛ لاستحضار الهَمِّ الكبير عن الأمة، ونرى العشماوي ينفذ إلى بعض جزئياته في القُدْس الشريف ولبنان، وقد وُفِّقَ الشاعر في استقراءِ أشْجَان الطفولة؛ لما للأعياد من مَعانٍ بريئة دافئةٍ بل صغيرةٍ كبيرةٍ لدى الأطفال!

غِبْ يَا هِلالْ

أَنَا مَنْ وُلِدْتُ

وَفِي فَمِي ثَدْيُ الْهَزِيمةْ

شَاهَدْتُ يَوْمًا عِنْدَ مَنْزِلِنَا

كَتِيبَةْ

فِي يَوْمِهَا كَانَ الظَّلامُ مُكَدَّسًا

مِنْ حَوْلِ قَرْيَتِنَا الْحَبِيبَةْ

فِي يَوْمِهَا

سَاقَ الْجُنُودُ أَبِي

وَفِي عَيْنَيْهِ أَنْهَارٌ حَبِيسَةْ

وَتَجَمَّعَتْ تِلْكَ الذِّئَابُ الْغُبْرُ

فِي طَلَبِ الْفَرِيسَةْ

وَرَأَيْتُ جُنْدِيًّا يُحَاصِرُ جِسْمَ وَالِدَتِي

بِنَظْرِتِهِ الْمُرِيبَةْ

مَا زِلْتُ أَسْمَعُ يَا هِلالْ

مَا زِلْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ أُمِّي

وَهْيَ تَسْتَجْدِي الْعُروبَةْ

إذن هي طفولة بائسة، طفولة محاصرة في هذا العيد بدبابات الاحتلال، وقَمْع جُنوده، طفولة تُواجِهُ ذئابًا بشرية حاقِدة من اليهود، طفولة تستغِيثُ بالأمة الغافِلة، فتعجب كيف تُصْغِي لموسيقى الفرح، وتَرَانِيم المَرَح؟!

أما عيدنا الحقيقي؛ كما يراه شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، فهو الذي يَعْبَق بشذا النصر يوم تكون الأمة قد اتَّحَدَتْ على دين الإسلام، ومن هنا يكون هلال العيد رمزًا منيرًا زاخرًا بنضارة الحُلْم القادم بالرغم من المواجع القديمة الجديدة، فيُخاطِبه بأسلوب طَلَبِي يقطف أزهارَ التفاؤُل والإشراق!

اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالشَّذَا

بِالعِزِّ بِالنَّصْرِ المُبِينْ

اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالْتِئَامِ الشَّمْلِ

بَيْنَ الْمُسْلِمِينْ

هَذَا هُوَ الْعِيدُ السَّعِيدْ

وَسِوَاهُ لَيْسَ لَنَا بِعِيدْ

غِبْ يَا هِلاَلْ

حَتَّى تَرَى رَايَاتِ أُمَّتِنَا

تُرَفْرِفُ فِي شَمَمْ

فَهُنَاكَ عِيدٌ

أَيُّ عِيدْ

وَهُنَاكَ يَبْتَسِمُ الشَّقِيُّ

مَعَ السَّعِيدْ!!

فاللهم ارحم شهدائنا وضمد جراح قلوبنا،وارحم يتم أطفالنا.

اللهم آمين

الجمعة, 24 آب/أغسطس 2018 22:32

العيد في عيون الشعراء

 

Share

د أحمد زكريا عبداللطيف

للعيد فرحة قوية مؤثرة في نفوس الخلق،لكن عندما تصبح قسوة الأحداث أشد ضراوة وقوة،تتحول مشاعر الفرحة وطاقة الابتهاج إلى مزيج من المرارة والحسرة،تستنزف كل ما في القلب من أحزان دفينة،وآهات مكتومة.

وأصعب شعور عندما يشعر طفل صغير كان ينتظر العيد ليفرح ويسعد أن فرحته مغتصبة وبسمته مسروقة.

وقد عاش الشعراء تلك المعاني الاستثنائية القاسية فأبدعوا في تصويرها.

فهاهو الشاعر السعودي محمد الأحمدي في قصيدته (العيدُ جاء) ينكأ جراح قلوبنا على أطفالنا في فلسطين والعراق وسوريا ومصر،فآباؤهم بين مقتول وأسير ومصاب ومطارد،فكيف للفرحة أن تطرق أبواب قلوبهم؟!

الْعِيدُ جَاءْ

لِكِنَّ طِفْلاً لَمْ يَزَلْ

يَبْكِي لِفَقْدِ أُبُوَّةٍ مَدْفُونَةٍ فِي بَيْتِهِ

ذَاكَ الْمَسَاءْ

خَطَفَتْ قُوَى الْعُدْوَانِ بَسْمَتَهُ الصَّغِيرَةَ ،

غَيْرَ أَنَّ شُمُوخَهُ عِنْدَ السَّمَاءْ

وَعَلَى رَوَابِي الْقُدْسِ تَشْدُو لَحْنَهَا الأَطْيَارُ

تَحْلُمُ أَنْ تَرَى الأَقْصَى طَلِيقًا فِي رَخَاءْ!

أي عيد يُقْبل والطفل يفقد أُبُوَّته المدفونة؟! أي عيد هذا وقُوى العدوان تخطف البسمات الصغيرة؟! إن شاعرنا الأحمدي يحس بقدوم العيد؛ ولكنه يتألم كثيرًا حين يرى أطفال فلسطين يدفنون آباءهم، وأطيار الأقصى مسجونة، تحلم أن تكون طليقةً في رخاء! إذن للعيد معنى آخر لدى شاعرنا الأحمدي هو معنى الحرية، وعزة الأمة على أعدائها، وليس العيد ملابسَ جديدة، أو حلوى فاخرة، أو بَهْجَة على أَنَّات الجَرْحَى من المسلمينَ!! ولذلك ينقلنا إلى الصورة المقابلة صورة المُجَاهدة، والمصابرة، ومُقارَعَة الأعداء، صورة الإيمان الصادق، هكذا هو العيد كما يراه الشاعر:

الْعِيدُ جَاءْ

وَمَآذِنُ الإسْلامِ تَصْدَحُ بِالتِّلاوَةِ وَالدُّعَاءْ

وَمُجَاهِدٌ لِلَّهِ يَرْفُضُ أَنْ يَعِيشَ عَلَى الْمَهَانَةِ

أَوْ يُدَنِّسُ أَرْضَهُ الإفْرِنْجُ أَحْفَادُ الْبِغَاءْ

فَمَضَى يَدُكُّ عُرُوشَهُمْ

وَيُذِيقُهُمْ كَأْسَ الرَّدَى

وَسِلاحُهُ الإيمَانُ

يَدْفَعُهُ الإِبَاءْ!

هذا الشعر يتفتح من خلال السهولة لا الغُموض، يُخاطب ثُلَّة من المجاهدينَ القابضِينَ على دينهم والزِّناد، يُبَشِّر بالنصر بالرغم من جِراحنا المثْخَنَة، وبالرغم من كثرةِ الأعداء، ونُكُوص الأحبابِ والأصدِقاء، لذا تَنْحُو القصيدة إلى بُؤَرٍ مُضيئة، تبث الأمل مكان الشَّجَن.

وعندما نحاول تصور العيد بأفراحه وأتراحه نتوجه حتما إلى شاعرنا الكبير عبدالرحمن العشماوي، الذي يبث مشاعره بقلب مَكْلُومٍ حزين، فيحْزننا معه في قصيدته النازفة: “غِبْ يا هلال“:-

غِبْ يَا هِلالْ

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ قَهْرَ الرِّجَالْ

قِفْ مِنْ وَرَاءِ الْغَيْمِ

لا تَنْشُرْ ضِيَاءَكَ فَوْقَ

أَعْنَاقِ التِّلالْ

غِبْ يَا هِلالْ

إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكَ

حِينَ تَلْمَحُنَا الْخَيَالْ

أَنَا يَا هِلالْ

أَنَا طِفْلَةٌ عَرَبِيَّةٌ فَارَقْتُ

أُسْرَتَنَا الْكَرِيمَةْ

لِي قِصَّةٌ دَمَوِيَّةُ الأَحْدَاثِ بَاكِيَةٌ أَلِيمَةْ

أَنَا يَا هِلالْ

أَنَا مِنْ ضَحَايَا الاحْتِلالْ

هذا هو العيد لدى شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، إنه العيد الذي يَغْدُو قصة طفلة مسلمة باكية متألّمة في فِلَسْطين! هكذا تَتَشَظَّى الذَّاتُ الإسلاميَّة عنده إلى مزيد من الجِرَاح والآلام؛ لكنَّها المعاناةُ والأحزان والفجائع التي تُحَرِّضُنا على الفعل، وتمضي بنا إلى ذاك التفاؤل في مُخَاطَبَة الروح المُحَلِّقَة الأبيَّة للضَّيْم:

غِبْ يَا هِلالْ

وَاطْلُعْ عَلَيْنَا حِينَ يَبْتَسِمُ الزَّمَنْ

لا تَأْتِ بِالْعِيدِ السَّعِيدِ

مَعَ الأَنِينْ

أَنَا لا أُرِيدُ الْعِيدَ

مَقْطُوعَ الْوَتِينْ

أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ فِي حَلْوَى

وَأَثْوَابٍ جَدِيدَةْ

أَتَظُنُّ أَنَّ الْعِيدَ تَهْنِئَةٌ فِي جَرِيدَةْ

إِنَّ دلالة العيدِ في ذاكرة العَشماوي الشعرية تأخُذُ أبعادًا عميقة تتخَطَّى السعادة الحسيَّة والمظاهر الدُّنيوية البَرَّاقة، إنها تتعدَّى ذلك إلى رُؤًى معنوية، إلى بعث طاقة عِزٍّ للإسلام، وفَرَحٍ حقيقيٍّ بالنصر على أعداء الله أينَما وُجِدُوا! وهل من مَرح وفرح في العيد مع الأَنِين؟! أَنَّى يكون العيد وبراعم الأقصى ثَكَالى وجائِعُون؟ من هنا يُشْعِل الشاعر جراحنا النازفة بكثير من الصور الساخرة المُؤْلِمَة، فهل يُوقِظُنا ذلك؟!

عِيدٌ سَعيدٌ يَا صِغَارْ

وَبَرَاعِمُ الأَقْصَى عَرَايَا جَائِعُونْ

وَالطِّفْلُ فِي لُبْنَان يَجْهَلُ مَنْشَأَهْ

وَاللاَّجِئُونَ يُصَارِعُونَ الأَوْبِئَةْ

تنهض القصيدة هنا من خلال الجملة الاسمية؛ لاستحضار الهَمِّ الكبير عن الأمة، ونرى العشماوي ينفذ إلى بعض جزئياته في القُدْس الشريف ولبنان، وقد وُفِّقَ الشاعر في استقراءِ أشْجَان الطفولة؛ لما للأعياد من مَعانٍ بريئة دافئةٍ بل صغيرةٍ كبيرةٍ لدى الأطفال!

غِبْ يَا هِلالْ

أَنَا مَنْ وُلِدْتُ

وَفِي فَمِي ثَدْيُ الْهَزِيمةْ

شَاهَدْتُ يَوْمًا عِنْدَ مَنْزِلِنَا

كَتِيبَةْ

فِي يَوْمِهَا كَانَ الظَّلامُ مُكَدَّسًا

مِنْ حَوْلِ قَرْيَتِنَا الْحَبِيبَةْ

فِي يَوْمِهَا

سَاقَ الْجُنُودُ أَبِي

وَفِي عَيْنَيْهِ أَنْهَارٌ حَبِيسَةْ

وَتَجَمَّعَتْ تِلْكَ الذِّئَابُ الْغُبْرُ

فِي طَلَبِ الْفَرِيسَةْ

وَرَأَيْتُ جُنْدِيًّا يُحَاصِرُ جِسْمَ وَالِدَتِي

بِنَظْرِتِهِ الْمُرِيبَةْ

مَا زِلْتُ أَسْمَعُ يَا هِلالْ

مَا زِلْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ أُمِّي

وَهْيَ تَسْتَجْدِي الْعُروبَةْ

إذن هي طفولة بائسة، طفولة محاصرة في هذا العيد بدبابات الاحتلال، وقَمْع جُنوده، طفولة تُواجِهُ ذئابًا بشرية حاقِدة من اليهود، طفولة تستغِيثُ بالأمة الغافِلة، فتعجب كيف تُصْغِي لموسيقى الفرح، وتَرَانِيم المَرَح؟!

أما عيدنا الحقيقي؛ كما يراه شاعرنا عبدالرحمن العشماوي، فهو الذي يَعْبَق بشذا النصر يوم تكون الأمة قد اتَّحَدَتْ على دين الإسلام، ومن هنا يكون هلال العيد رمزًا منيرًا زاخرًا بنضارة الحُلْم القادم بالرغم من المواجع القديمة الجديدة، فيُخاطِبه بأسلوب طَلَبِي يقطف أزهارَ التفاؤُل والإشراق!

اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالشَّذَا

بِالعِزِّ بِالنَّصْرِ المُبِينْ

اطْلُعْ عَلَيْنَا بِالْتِئَامِ الشَّمْلِ

بَيْنَ الْمُسْلِمِينْ

هَذَا هُوَ الْعِيدُ السَّعِيدْ

وَسِوَاهُ لَيْسَ لَنَا بِعِيدْ

غِبْ يَا هِلاَلْ

حَتَّى تَرَى رَايَاتِ أُمَّتِنَا

تُرَفْرِفُ فِي شَمَمْ

فَهُنَاكَ عِيدٌ

أَيُّ عِيدْ

وَهُنَاكَ يَبْتَسِمُ الشَّقِيُّ

مَعَ السَّعِيدْ!!

فاللهم ارحم شهدائنا وضمد جراح قلوبنا،وارحم يتم أطفالنا.

اللهم آمين

 

د أحمد زكريا عبداللطيف

يا لفرحة من أكرمه الله بالوقوف بعرفات

ويا هناءة من تكحلت عيناه برؤية البيت العتيق

ويا لري من أطفأ ظمأه بماء زمزم

ويا لسعادة من تعطرت أنفاسه بأريج قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم -.

أتأمل في يوم عرفة .. وأتساءل:

ماذا سماه القرآن عرفات بالجمع .. وسمته السنة بالإفراد؟.

والحقيقة أن "عرفات" هنا ليست جمعا لعرفة .. بل نفس المعنى للمكان المعروف في الحج .. وهي اسم من لفظ الجمع فلا تجمع ولا واحد له.

لكن أشعر في اللفظ القرآني:"عرفات"الذي جاء في صورة الجمع، بالشمول وتعدد المعاني.

فهي عرفة لمن اشتاق إلى لقاء ربه، وأراد أن يتعرف على الله - عز وجل - في بيته، فيجد الأنس والفرحة والسرور بزيارة الرب العليَ في بيته الحرام.

فيه وصل الحب وتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيادة المعرفة عن قرب بالحبيب المحبوب.

فيه معرفة بمهد الرسالة، ومبعث الوحي، ورؤية الأرض التي شرفت بنزول الوحي، وفاح النور على ثراها.

فيه معرفة بالجهد المضني،والدم المبذول من صاحب الرسالة وصحابته الكرام، لنعرف كم بذل في سبيل هذا الدين، وأن وصوله إلينا كان دونه المهج والأرواح والأموال.

فيه معرفة للعبد بنفسه،وخروج عن زخرف الدنيا وبريقها الزائف، إذ يتجرد العبد من حطامها، ويرى نفسه على حقيقتها وفي قمة ضعفها.

فيه فرصة للمذنبين يعترفون لربهم بذنوبهم، ينبعث أنينهم بعيدا عن القوالب المزيفة التي نعيش فيها، نصارح أنفسنا بحقيقتها وتقصيرها، نخرج من الوهم الذي نعيش فيه بأننا من الزهاد العباد الذين لا يخطئون، نتذكر فيه وصية لقمان:"لا تظهر للناس أنك تقي .. وقلبك فاجر"

فكم يشعر الإنسان بمرارة هذه الكلمة كلما عصى الله - عز وجل - فيأتي عرفات يجدد الأمل في القلوب، ويبعث في قلوبنا المنكسرة من ذل المعصية الحياة من جديد.

فيه نستشعر معنى التوحيد الصافي،والانسلاخ الكامل من ذواتنا، والانطلاق إلى الفضاء الرحب، والملاذ الآمن، لذلك كان أفضل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم: لا إله إلا الله ....

وقد جاءت عرفات في القرآن بصيغة الجمع قال تعالى: "فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ" [البقرة:198].

والتنوين في عرفات يسميه النحويون تنوين المقابلة .. أي: مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وجاءت في الحديث مفردة قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، وقال: (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف). ......

سبب تسمية عرفة بهذا الاسم

بعض العلماء يقولون: من العرف .. وهو الطيب.

قال الله جل وعلا عن أهل جنته: "عَرَّفَهَا لَهُمْ" [محمد:6] ففي أحد أوجه التفسير يعني: طيبها لهم، وقالوا: سميت بعرفة؛ لأن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء أمنا عليه السلام أهبطت في جده فالتقيا في عرفات فتعارفا فسميت عرفة.

و الرأي الأول أوجه، وبعض العلماء يقول: لا يوجد دليل صريح صحيح على سبب تسميتها بعرفة.

قال بعض العلماء كابن الجوزي في كتابه " تحريك الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن" .. قال:

إن القبضة التي قبضها الله جل وعلا من الأرض .. ليخلق منها أبانا آدم كانت مخلوطة من عرفات .. فقال: لهذا كل إنسان على الفطرة يجد في قلبه حنيناً إلى عرفات؛ لأن النفس تنزع إلى ما خلقت منه، والجسد يحن إلى الشيء الذي خلق منه.

وهذا لا يوجد عليه دليل .. لكن نقول: العقل يقبله ولا يوجد في الشرع ما يمنعه، لكن لا نستطيع أن نجزم به.

هذا باب الله فاطرقوه ...

أحبائي في الله:

هاهي أبواب الرحمات تفتح للجميع سواء الحجيج أو غيرهم .. فلا نفوت الفرصة، بل نتمسك بها إلى أقصى درجة، فلعلها لا تعود.

ولنجعله يوما استثنائيا في عمرنا، نتعالى فيه على حظوظ أنفسنا، وعلى رغباتنا، ونتناسى - ولو في هذا ليوم فقط - ذواتنا، ونتصافى مع أنفسنا وإخواننا ومع كل خلق الله.

لنعش في سلام وصفاء،نستلهمه من تلك اللحظات الغالية، التي لا تعوض ولا تقدر بثمن.

والأمل يحدونا ألا يحرمنا الله عز وجل من عرفات عاجلا غير آجل .. والله المستعان.



الصفحة 17 من 103
Top