البوابة الرسمية للجماعة الإسلامية

السبت, 28 تموز/يوليو 2018 08:57

علي الطنطاوي حين بلغ الخمسين

بقلم :
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 بقلم : عبد الآخر حماد      

الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (1327- 1420هـ )( 1909- 1999م) عالم وأديب سوري من أصل مصري ، قضى حياته معلماً وقاضياً وكاتباً وداعياً إلى الله عز وجل ،وقد نشأ وترعرع بدمشق ، وتنقل في شبابه بين الشام ومصر والعراق ، ثم استقر به المقام في ستينيات القرن الميلادي المنصرم ببلاد الحرمين فقضى بها العقود الأربعة الأخيرة من حياته حتى كانت وفاته بجدة في عام 1999م. وقد أمد الله له في عمره ،وبارك فيه ،ونفع كثيراً بما قدم سواء في مجال الوعظ أو تأليف الكتب أو كتابة المقالات وغير ذلك . ولا زلت أذكر حين كنت أقيم في بعض بلاد الخليج في أوائل التسعينيات أني كنت أتابع برنامجاً أسبوعياً كان يقدمه في التليفزيون السعودي كل يوم جمعة ، وما أكثر ما استفدناه من ذلك البرنامج وما فيه من الفوائد الشرعية والأدبية وغيرها . وقد كان الشيخ رحمه الله يسير سيرة من سبقه من أهل العلم والفضل فيقف مع نفسه كل حين وقفات يحاسبها فيها ويدعوها أن ترعوي وتتذكر الموت والآخرة ، ومن ذلك أنه كتب مقالاً نشرته مجلة الأزهر في عدد شهر المحرم 1379هـ الموافق يوليو 1959م بعنوان ( وقفة على رأس الخمسين ) أهداه إلى صديقه أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة ،الذي كان في تلك الفترة يرأس تحرير مجلة الأزهر . وفي مستهل هذا المقال يذكر الشيخ أنه نظر في التقويم فوجد أنه قد استكمل إحدى وخمسين سنة قمرية ، وأنه من أجل ذلك وقف كما يقف التاجر في آخر السنة ليجرد دفاتره ويحرر حسابه وينظر ماذا ربح وماذا خسر ، وقد طاف من خلال مقاله المذكور ببعض ما قدمه في حياته من عمل وما وصل إليه من مناصب وما ناله في هذه الدنيا من لذائذ ،وما حمل فيها من عنت وعناء ، وكذا ما ناله من مدح المادحين وقدح القادحين ، ووقف من ذلك كله وقفات تأملية عميقة ينكر فيها قول من يقول : لا تنظر إلا إلى الساعة التي أنت فيه ،وأن : ما مضى فات والمؤمل غيب * ولك الساعة التي أنت فيها فيبين الشيخ أن ما مضى لم يَفُت ( ولكن كُتب لك أو عليك ، أحصاه الله ونسوه ، والآتي غيب ولكنه غيب كالمشاهد ). وفي آخر مقاله يرجع الشيخ إلى نفسه يحاسبها ويتحسر على ما قصر فيه من الطاعات ويقول : ( يا أسفى ؛ لقد مضى أكثر العمر وما ادخرت من الصالحات ، ولقد دنا السفر وما تزودت ولا استعددت، ولقد قرب الحصاد وما حرثت ولا زرعت ، وسمعت المواعظ ورأيت العبر فما اتعظت ولا اعتبرت ...) إلى أن قال : (اللهم سترتني فيما مضى فاسترني فيما بقي ولا تفضحني يوم الحساب ) ذكرتني هذه الكلماتُ بكلماتٍ مثلها كتب الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله ( 1876- 1924م) حين وقف على رأس الأربعين من عمره حيث كتب يقول : ( الآن وصلت إلى قمة هرم الحياة، وبدأت أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيع أن أهبط بهدوء وسكون حتى أصل إلى السفح بسلام، أو أعثر في طريقي عثرة تهوي بي إلى المصرع الأخير هوياً ). ثم قال بعد أن ذكر جانباً مما كان يؤمله ويرجوه في عهد الصبا : ( أما اليوم - وقد بدأت أنحدر من قمة الحياة إلى جانبها الآخر- فقد احتجب عني كل شيء، ولم يبق بين يدي مما أفكر فيه إلا أن أُعدَّ عدتي لتلك الساعة الرهيبة التي أنحدر فيها إلى قبري) ويقول : ( وكان كل ما أفكر فيه أن أن أشيد لي بيتاً جميلاً أعيش فيه عيش السعداء الآمنين في مدينة الأحياء ، فأصبحت وكل ما أفكر فيه الآن أن أبني لي قبراً بسيطاً يضم رفاتي في مدينة الأموات ) . [ النظرات : 3/255 وما بعدها ]. من المفارقات ها هنا أن كلا الكاتبين كان - حين كتب ما كتب – يستشعر دنو الأجل وقرب الرحيل عن هذه الحياة الدنيا ، ومع ذلك فقد عاش الطنطاوي بعد كتابة كلماته تلك أكثر من أربعين سنة ، في حين لم يعش المنفلوطي بعد كتابة كلماته إلا سنوات قلائل حتى ذكر ناشر ( النظرات) بعد وفاة المنفلوطي أنه حين كتب هذه الكلمات كان كأنما يتنبأ بدنو أجله رحمه الله . فسبحان من قدَّر لكل حي أجلاً لا يعلمه إلا هو ، ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلا اللهُ وما يشعرون أيان يبعثون ).[ النمل: 65] ( وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان: 34]. لقد أثرت فيَّ كلمات هذين الأديبين العَلَمَيْن ، وقلت ما أحراني وأمثالي ممن جاوزوا الخمسين -بل الستين- أن نقف مع النفس الأمارة بالسوء مثل هذه الوقفة ،مستدبرين هذه الحياة الدنيا ، مستقبلين ما هو خير منها وأبقى ،متوجهين إلى الله تعالى بمثل ما توجه به الشيخ الطنطاوي رحمه الله ، فاللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحسن لنا الختام ،وأن تسترنا بسترك الجميل فلا تفضحنا في الدنيا بين خلقك ولا في الآخرة يوم العرض عليك ، اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري ،اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ،وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني ،أنت المقدم وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير . اللهم آمين. عبد الآخر حماد عضو رابطة علماء المسلمين 4/ 11/ 1439هـ- 17/ 7/ 2018م

قراءة 30 مرات
إدارة الموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الثلاثاء 2 ذو الحجّة 1439

الثلاثاء 14 آب/أغسطس 2018

منبر الرأي

يَسعُ كل انسانٍ مالايسعُ غيرَه

بقلم: التاريخ: 12-08-2018
  بقلم / الشيخ علي الديناري  تعلمنا في السيرة النبوية الاجابة على سؤال: هل كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ هاجر جهارًا نهاراً متحديا قريش أشجع من النبي صلى الله عليه وسلم الذي هاجر سراً مستخفياً؟ الإجابة بالطبع لا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس بشهادة الذين حاربوا معه . لكن لماذا إذاً هاجر سراً بينما هاجر عمر جهراً ؟ ولماذا لم يهاجرا بنفس الطريقة ؟ قال العلماء لقد وسع عمر أي أمكنه أو صح منه مالايسع النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا وماالفرق؟ الفرق أن عمر كان فردا بينما النبي صلى الله عليه وسلم يُمَثِّل…

فيديوهات الموقع

  • cache/resized/d3a91a3c9f6417cf50512b7156fc5e59.jpg
  • cache/resized/fb3db32fa4892f81232fdc509411216d.jpg
  • cache/resized/4ddfb189e0c02c704e1424f2869f1690.jpg
  • cache/resized/ef9170a026d1c1e17a4242cdce812b5a.jpg
  • cache/resized/849c2061e3789224be9952b1c6206048.jpg
  • cache/resized/849c2061e3789224be9952b1c6206048.jpg
  • cache/resized/d3a91a3c9f6417cf50512b7156fc5e59.jpg
  • cache/resized/fb3db32fa4892f81232fdc509411216d.jpg
  • cache/resized/4ddfb189e0c02c704e1424f2869f1690.jpg
  • cache/resized/ef9170a026d1c1e17a4242cdce812b5a.jpg

  • cache/resized/fb3db32fa4892f81232fdc509411216d.jpg
  • cache/resized/4ddfb189e0c02c704e1424f2869f1690.jpg
  • cache/resized/ef9170a026d1c1e17a4242cdce812b5a.jpg
  • cache/resized/849c2061e3789224be9952b1c6206048.jpg
  • cache/resized/d3a91a3c9f6417cf50512b7156fc5e59.jpg

تسجيل الدخول

مواقيت الصلاة
أسعار العملات
أسعار الذهب والفضة