صبرا وشاتيلا جرح لم يندمل

صبرا وشاتيلا جرح لم يندمل

سنوات طويلة ووقائع كبيرة مرت منذ المجزرة، أحداث الساعة وما فيها من مآسٍ لم تستر جرح الذاكرة وجرح الوطن، 34 عاماً ورائحة الحكاية تفوح بالموت المتجدد، بالرغم من موت الضحايا ومعظم الجلادين.

- بداية الحكاية

بعد شهرين فقط من خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بناء على ضمانات دولية بحماية المدنيين الفلسطينيين في المخيمات من أي مكروه، عام 1982، وقعت الفاجعة، وكان الانتقام الفعلي من المقاومة الفلسطينية. فعلى الرغم من الغزو الإسرائيلي للبنان فإن المقاومة خرجت سليمة بعد حصار طويل، ولم تتمكن إسرائيل من القضاء عليها، فكان الرد في قلب المخيم بين المدنيين العزل.

ففي السادس عشر من سبتمبر/ أيلول عام 1982، كان من المفترض أن يستيقظ أهالي مخيمَي صبرا وشاتيلا الفلسطينيون في جنوب لبنان على يوم جديد، شمسه خريفية مشرقة تبث الدفء في المكان، ولكنهم لم يستيقظوا أبداً فقد باغتهم الموت بأبشع صوره.

في ذلك اليوم المشهود انتشرت رائحة الموت في المكان كالطاعون، فحصدت آلة لإجرام الصغير قبل الكبير، والمرأة قبل الرجل والشيخ، حتى الوليد في رحم أمه لم ينج من كرههم ونيران حقدهم، لا لشيء إلا لأنه فلسطيني.

ارتكبت المجزرة على يد ثالوث الحرب المتحالف في حينه "حزب الكتائب اللبناني، جيش الاحتلال الإسرائيلي، وجيش لحد العميل"، وكانت الحصيلة نحو 4000 قتيل من الأبرياء العُزل، غالبيتهم من الفلسطينيين.

كانت قوات الكتائب اللبنانية تعمل تحت إمرة المدعو إيلي حبيقة، وجيش الاحتلال تحت إمرة أرئيل شارون وزير الحرب في حينه الذي يزخم تاريخه بالجرائم، وعاونه على الموت رفائيل إيتان رئيس الأركان، حيث كانت مهمة الجيش الإسرائيلي تطويق المخيم وإنارته ليلاً بالقنابل المضيئة، أما حزب الكتائب فقد كان المنفذ المباشر؛ باستخدام الأسلحة الكاتمة للصوت والأسلحة البيضاء.

دخلت ثلاث فرق؛ كل منها يتكون من خمسين مسلحاً، إلى المخيم بحجة وجود 1500 مسلح فلسطيني داخل المخيم، وقامت المجموعات المارونية اللبنانية بالإطباق على سكان المخيم، وأخذوا يقتلون المدنيين قتلاً بلا هوادة، أطفالٌ في سن الثالثة والرابعة وُجدوا غرقى في دمائهم، حوامل بقرت بُطونهن، ونساء تم اغتصابهن قبل قتلهن، رجال وشيوخ ذُبحوا وقُتلوا، وكل من حاول الهرب كان القتل مصيره، 48 ساعة من القتل المستمر وسماء المخيم مغطاة بنيران القنابل المضيئة.

أحكمت آليات الاحتلال إغلاقَ كل مداخل النجاة إلى المخيم، فلم يُسمح للصحفيين ولا لوكالات الأنباء بالدخول إلا بعد انتهاء المجزرة، حين استفاق العالم على مذبحة من أبشع المذابح في تاريخ البشرية، عدد القتلى في المذبحة لا يعرف بوضوح، وأغلب التقديرات على أنهم 4000 شهيد من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين العزل من السلاح.

- روايات مروعة

أحداث مروعة لم توثقها كاميرات المصورين أو ملفات العسكريين، إلا أن عدداً من الناجين وثقوا روايات اللحظات الطويلة التي مرت على الضحايا، والأفعال التي اقترفها منتسبو الكتائب المتعاملة مع الاحتلال.

ماهر مرعي، النّاجي من المذبحة ليلة السّادس عشر من سبتمبر/أيلول يقول: "رأيت الجثث أمام الملجأ مربوطة بالحبال لكني لم أفهم، عدت إلى البيت لأخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا أنها مجزرة، فنحن لم نسمع إطلاق رصاص. أذكر أني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا وهناك، ولكني لم أدرك سبب وجودها إلا بعد انتهاء المجزرة. كواتم الصوت "تتفندق" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا يرمونها. بقينا في البيت ولم نهرب حتى بعد أن أحسسنا أن شيئاً مريباً يحدث في المخيم".

في السّابع عشر من سبتمبر/ أيلول استفاق السكان، ولم تتوقف المجزرة. وهنا ناجيات أخريات يتحدثن عن تفاصيل الإفلات من الموت، نهاد وسعاد تتذكران: "بقروا بطن جارتنا". "تظاهرنا بالموت لنحيا".

مُسنَّة نجت أيضاً من المجزرة، تروي ما علق في ذهنها من أيام المجزرة في شهادتها للمنظمات الدولية، وتجيب: "بدّك تسأل عن مجزرة صبرا وشاتيلا؟ عادي، كلّو بيسألني عنها، ما بنساها ولا نهار ولا بنسى اللي صار، كنّا ميتين، أصلاً بقينا ميتين لليوم، صحيح بنتنفس، بس مش عايشين".. لقد نخر الألم قلبها.

وفي شهادة أخرى لأحد الناجين، تروي تفاصيل جزء يسير من أيام المجزرة الثلاثة: "في ذلك اليوم، أجبر المقاتلون من حزب الكتائب، جيش لبنان الجنوبي وفرقة من الجيش الصهيونى الرّجال على الوقوف بجانب الحائط قبل رميهم بالرّصاص. قطّعوا الأطفال بالبلطات والفؤوس أمام أعين أهلهم كي يبقوا في قلوب الأهل حسرة أبدية، بقروا بطن حاملٍ ووضعوا جنينها بين يديها حتّى ماتت من الألم، قتلوا الجميع دون استثناءٍ بدمٍ بارد، والإسرائيلي يتفرّج".

- 34 سنة من غياب العقاب

على الرغم من مرور هذه السنوات الطويلة على وقوع المجزرة، فإن أحداً من المنفذين لم يعاقب ولم يحاسب، على رأسهم رئيس وزراء الاحتلال في حينه مناحيم بيغن، ووزير جيشه أرئيل شارون الذي يعد المتهم الرئيسي فيها، بعد قيادته للجيش في اجتياح لبنان وتنفيذ المجزرة، بالتعاون مع المتحالفين من العملاء اللبنانيين الذين أصبح قادتهم وزراء ومسؤولين في الحكومات اللبنانية بعد اتفاق الطائف.

إيلي حبيقة من الشخصيات التي تحولت من التحالف مع الاحتلال إلى التحالف مع نظام حافظ الأسد، وتولى حقيبة وزارية في الحكومة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، ويعتبر من المسؤولين المباشرين عن تنفيذ المجزرة.

إتيان حرب، من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمجازر تل الزعتر مروراً بصبرا وشاتيلا، ومن المعروفين بمواقفهم السياسية الموالية للاحتلال الإسرائيلي، عمل في حكومة ميشيل عون، ثم هرب مع جيش لحد إبان تحرير جنوب لبنان عام 2000.

وتشير الروايات والشهود إلى أن الجيش السوري في حينه كان قريباً من مكان المجزرة ومراقباً لها من بعيد، لكن لم يحرك ساكناً؛ لعلاقة النظام السوري ورئيسه حافظ الأسد المتأزمة مع رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات.

 
قراءة 283 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top