النخبة و مثلث الفشل

النخبة و مثلث الفشل

د أحمد زكريا عبداللطيف

بداية حتى تتضح الصورة جيدا، أنا أقصد بالنخبة المصرية كل المشتغلين بالسياسة الآن، والمتصدرين للمشهد المصرى، سواء كانوا معارضة أو مؤيدين. حيث تعج الساحة السياسية المصرية بأنماط مختلفة من التفكير، لابد أن نحسن قراءتها نفسيا حتى نستطيع التعامل معها جيدا. ولتتضح فكرة المقال للقارئ العزيز علينا نميز بين ثلاثة مفاهيم تبدو لكثيرين متشابهة غير أنها مختلفة فى التشخيص النفسى، هى: قوة الأنا، ونرجسية الأنا، وتضخّم الأنا. و(الأنا) أو (الذات)، هو المكوّن الرئيس فى الشخصية الذى يتعامل مع متطلبات الواقع.. ثقافية كانت أم سياسية أو اجتماعية أو عاطفية...وإذا اعتبرنا الشخصية (مؤسسة) فإن الأنا هذا هو مديرها التنفيذى المسئول عن اتخاذ القرارات. ولك أن تقول: إن تباين الناس فى تصرفاتهم يعود فى أحد أسبابه الجوهرية إلى تباينهم فى طبيعة (الأنا) لديهم.. من حيث قوته أو ضعفه أو حجمه، وما إذا كان واقعيا فى أهدافه وعقلانيا فى إشباعه لحاجات صاحبه العاطفية بشكل خاص، أو مثاليا يتسامى على الواقع بسلوك قريب من الكمال. و(قوة الأنا) تعنى أن صاحبه يمتلك شخصية عقلانية.. يتعامل مع الناس والأحداث بواقعية مجردة، ويقيس الأمور والآخرين من حوله وفقا لأحجامها الحقيقة، فهو لا يعظّم شخصا و"ينفخ" فيه، ولا يبخس حق شخص آخر يحظى بامتياز مستحق.. حتى لو كان منافسا له فى مهنته أو تخصصه. وهو يقيس نفسه أيضا بحجمها الحقيقى، مقدّرا لإيجابيات يمتلكها فعلا (عقلية، ثقافية، علمية، فنية...) ومعترفا بسلبيات فيه (نقص معرفى..تقلّب مزاج..)، وبهذا يتمتع صاحب قوة الأنا باحترامه لذاته واعتزازه الإيجابى بنفسه، ولا يضطر شعوره الشخصى إلى استعمال آليات نفسية مشوّهة للواقع وبخاصة: الإنكار والتبرير والإسقاط (ترحيل عيوب النفس على آخرين). أما (تضخّم الأنا) فإن صاحبه يعمد إلى أن يبدو للآخرين بحجم أكبر من حجمه الحقيقى، لاسيما فى قدرات معرفية يمتلكها فعلا، فإذا كان شاعرا مثلا فإنه يعدّ ّنفسه "أشعر"، من فلان وفلان.. مع أنه بمستواهما أو دون ذلك فى مقاييس الإبداع الشعرى. وعلّته أنه تتحكم به حاجة قسرية هى تكبير حجمه وتصغير حجوم الآخرين العاملين معه بنفس مجال نشاطه الفكرى والثقافى، ناجمة عن أنه يكون فى الغالب من نوع الشخصية الاحتوائية التى من خصائصها السعى إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوى وأفكارهم سواء بالإبهار أو بأساليب درامية التوائية أو "فذلكية". وبسبب هذه الحالة النفسية غير المستقرة فإن اللاشعور الشخصى لدى المصاب بـ(تضخم الأنا) يعمد إلى ممارسة الإنكار والتبرير والإسقاط لخفض القلق لديه الناجم من رفضه الاعتراف بواقع حجمه الحقيقى وحجوم آخرين أكبر. إن استمرار ممارسة (تضخم الأنا) تفضى فى الغالب إلى (الأنا النرجسى).. وهنا ندخل فى اضطراب نفسى حقيقى يكون صاحبه استغلاليا فى علاقاته الشخصية، ولديه إحساس الزهو بالذات، والمبالغة فى إنجازاته، ويبدو للآخرين وكأنه كتب على جبهته (أنا مميز)..أى عليكم أن تفضلونى على أنفسكم وتمنحونى الحب والإعجاب والاعتبار متى أردتها.. دون مقابل. هذا يعنى أننا إذا وضعنا المفاهيم الثلاثة على خط مستقيم فإن (قوة الأنا) تكون فى طرفه الإيجابى، و(تضخم الأنا) فى الوسط و(نرجسية الأنا) فى طرفه السلبى، أى أن الأولى حالة نفسية صحية والثانية "بين بين" والثالثة اضطراب أو مرض نفسى. والواقع المر يبين لنا ظهور الشخصيات السياسية على حقيقتها بعد الثورة، وللأسف الشديد أن الكثير ممن يتخذون من النخبة شعارا يعانون معاناة شديدة من تضخم الأنا، ويرون أنفسهم فى مكانة لا يملكون مقوماتها، ولا يراهم غيرهم فيها، فإذا بهم يتخبطون داخل مثلث الفشل، بين الإنكار والتبرير والإسقاط، ولو أنهم راجعوا أنفسهم جيدا ربما انسحب الكثير منهم من المشهد، وعندها سنرى بوضوح أن مصر تملك شعبا بلا نخبة حقيقية. فلعلنا من خلال مقالاتنا هذه نرسل رسالة للجميع ليرى مكانه الحقيقى، ويعرف قدره، فلا يظن أحدنا بنفسه أن الكون متوقف عليه، وأنه الترس الأساسى الذى يحرك الكون من حوله. تواضعوا يرحمكم الله!!

قراءة 448 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top