×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 166

صرخات من داخل سجون معتقلي الرأي السياسي في مصر

صرخات من داخل سجون معتقلي الرأي السياسي في مصر

صرخات من داخل سجون معتقلي الرأي السياسي في مصر

 انجي مصطفى

رسالة من رسائل عدة بنفس المحتوى وصلتني من معتقلين تم الافراج عنهم ، و كلها تحكي عن معاناة معتقلي الرأي السياسي في السجون المصرية ، أترككم مع الرسالة بعد إعادة صياغتها مع المحافظة على المضمون:   المكان : إحدى الأحياء السكنية

الزمان : الساعة الثالثة بعد منتصف الليل

الهدوء يفرض سيطرته على الكون طبقا لمعاهدة غير مكتوبة بين الانسان و الطبيعة يتخلى فيها الانسان عن ضجيجه و لو لسويعات قليلة . أحذية ثقيلة تطأ الأرض تشق سكون الليل ، تتسلق سلالم بناية ما و تتحرك بكثير من اللامبالاة و الازعاج ، يتبعها دقات عنيفة على باب احدى الشقق توقظ السكان ، الأب يهرع إلى الباب متوجسا بعد أن أصطدم عدة مرات بقطع الأثاث ووقع مرة أو اثنتين ، يفتح الباب و خفقات قلبه تكاد تخلعه من أضلعه ، الباب يُدفع ليفتح على مصراعيه للقوات المقتحمة المدججة بالسلاح ، يهرع بعضهم إلى إحدى الغرف فتصرخ الفتيات و هن يحاولن ستر أنفسهن ، فيما تكلل جهود الآخرين الذين اقتحموا الغرفة الاخرى بالنجاح ، و يخرجون مظفرين بغنيمتهم البائسة ، شاب في مقتبل العشرينات ، ضعيف البنية ، حائر النظرات ،يلقفوه فيما بينهم  وصولا إلى سيارة الترحيلات، الام تصرخ متسائلة بجنون عن المكان الذي يأخذون فيه ابنها فيستقبلون جزعها و خوفها على فلذة كبدها بدفعها ثم تكسير البيت على ساكنيه ، ينتهي المشهد الكئيب بالأم و هي تجري خلف سيارة الترحيلات منادية على ابنها الوحيد محمد.

المكان : قسم الشرطة

الزمان : بعد 3 ساعات

"يلا يا حبيبي  انت و هو على القسم "   قالها أمين الشرطة و هو يجر محمد و باقي زملاؤه من سيارة الترحيلات إلى قسم الشرطة ، لتستقبلهم هراوات العساكر و أحذيتهم استقبال يليق بعتاة المجرمين ، أتبعوه بإيداعهم "الثلاجة" ، و الثلاجة لمن لا يعرف ، هي الاسم الدارج بين أفراد جهاز الشرطة لغرفة يوضع فيها جميع المساجين السياسيين و الجنائيين في الانتظار، لحين عرضهم على النيابة أو استجوابهم قبل العرض ، و الاستجواب هنا يشمل الصاعق و الضرب حتى تمام استخلاص المعلومات المطلوبة من المعتقل ، لينتهي به الأمر الى الزنزانة ،و ما أدراك ما زنزانة القسم !

تستطيع أن تضعها بدون خطأ كبير في مقارنة مع أي حمام عمومي لأي مصلحة حكومية ( اذا صح وصف الحمام بها ) ، مكان كئيب  و قذر جدا ، يحتضن عتاة المجرمين جنبا إلى جنب معتقلي الرأي السياسي ، يرأسهم بلطجي يختار لنفسه أفضل الأماكن في الحجز و أكبرها ، و يجبر باقي المعتقلين على دفع إتاوات يومية .

التكدس في غرفة الاحتجاز يذكر المعتقلين بعذاب الآخرة ، يلبسون الملابس الخفيفة و لا يسترون من أجسادهم الكثير حتى في أشد أوقات الشتاء برودة ، فحرارة أنفاسهم والتصاق أجسادهم و ندرة الهواء مع سوء التهوية و استنشاقهم لسحب دخان ‏السجائر ، تطفئ أي شعور ببرودة فصل الشتاء .

المكان : المعتقل

الزمان :بعد 150 يوم من إعادة تجديد الاحتجاز ، بعد أن أصبح بلا سقف زمني

استقبال آخر يسمى بالتشريفة كان ينتظر محمد ،لم يختلف كثيرا عن الاستقبال الأول في القسم ، إلا أن عساكر الأمن المركزي قد اصطفوا على الجانبين هذه المرة و أشبعوه هو و من معه ضربا وصولا إلى المعتقل ، أتبعوه بتفتيشهم و حرق متعلقاتهم الشخصية، ثم إيداعهم  الإيراد ، و الإيراد هو مكان يحتجز فيه المعتقلين بدون تريض أو زيارات عائلية لمدة 11 يوم ، يتسم بأن حمامه غير آدمي و مياهه غير نظيفة . والسجن الذي أودع فيه محمد ، يتكون من 4 أدوار ، يحوي كل دور منه 6 زنازين صغيرة وواحدة كبيرة ، تعافي الشمس الدور الأرضي منه ،و التريض فيه مسموح لنصف المعتقلين لمدة ساعة واحدة فقط ، يتم السماح للنصف الآخر بالتريض بعد عودة النصف الأول ، الفول و العدس و الأرز هم أصدقاء لحشرات السوس بعد أن أضحوا مكون رئيس فيهم، زيارات الأهالي تعذيب لهم ، ينتظرون دورهم في الشمس الحارقة لأوقات قد تمتد لساعات طويلة ، أما المضحك المبكي ، أن أهالي معتقلي الرأي يبدأ السماح بتوافدهم بعد أن تنتهي زيارات أهالي الجنائيين أولا ! وكأن حال مصر الثورة يقول ; أن تكون مجرما لهو أحب و أقرب إلى قلب الدولة من أن تبدي رأيا لا يعجب المسؤولين ! أما مدة الزيارة فهي تتراوح ما بين  15 إلى 25 دقيقة ، يفتش الأهالي بدقة شديدة قبلها و بعدها .   المكان : التأديب الزمان : لا أهمية له !   التأديب هو زنزانة صغيرة للغاية في الدور الأرضي طولها 120سم و عرضها  50 سم يوجد بها شباك صغير للغاية تحوطه الأسلاك ، مظلمة ، رائحتها سيئة للغاية ، يسمح للمتأدب المحلوق رأسه ببطانية قذرة ، و فارغة ( زجاجة بلاستيك ) يقضي فيها حاجته ، طعامه فيها رغيف من الخبز سيء الجودة وقطعة من الجبن و شرابه مياه فاسدة يقال أن مصدرها من بحيرة راكدة ( ترعة )  و لا يفتح بابها إلا عندما تنتهي المدة المقررة له.

المكان : عيادة السجن

الزمان : دقيقتان

هما كل الوقت المتاح للمرضى  للحصول على مسكن ، يصرف لجميع الحالات و حتى الحرجة منهم !

المكان : البيت

الزمان : مستقبل فقد لكل معانيه الجميلة ومازال محمد يتساءل إلى الان ... ماذا فعلت ؟

أضم صوتي إلى صوته متسائلة ماذا فعل محمد و غيره من سجناء الرأي العام ؟ مم تخاف الدولة و هي المدججة بالسلاح القابضة على كل مراكز القوة المسلحة ؟ مم يخاف النظام و الجيش يقف حارسا له غير منقلب عليه ؟ مم يخافون و الشعب منقسم على نفسه في عهد لم تعرفه مصر من قبل منذرا ببوادر حرب أهلية  تغذيه بممارساتها الخاطئة مع الشباب ؟ ماذا يفعل شباب مصر وبناتها و أطفالها في السجون مع المجرمين ؟ أي مستقبل ترونه في شباب كره بلاده و انتماؤه بعد أن ذاق الأمرين في مهانة بشرية تدعى المعتقلات ؟ هل هذه هي وعودكم بتمكين الشباب من العمل السياسي ؟

أخرجوا شباب معتقلي الرأي من السجون و اجعلوا انقضاء مدة حكمهم في عمل اجتماعي يخدم مصر بأجور رمزية ‏ ، بعيدا عن العوالم الافتراضية و الجماعات التكفيرية ‏ ،استفيدوا من أيادي عاملة مهدرة في غياهب السجون و اغرزوا فيهم القومية وحب مصر بالأفعال و ليس بالرقص و بالأغاني الوطنية . و الله انها لسبة على جبين مصر الثورة أن يكون بمعاقلها إلى الآن محتجزي رأي عام .

 

المصدر: المصريون

قراءة 4556 مرات

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top