(رحلة إلى الزمن الجميل) -1-

(رحلة إلى الزمن الجميل) -1- مميز

)رحلة إلى الزمن الجميل) -1-

بقلم: المهندس عاصم عبدالماجد
كنت سعيدا بحصولي على تقدير جيد جدا في نهاية السنة الأولى. لقد كان هذا بمثابة رد اعتبار لي بعدما نجحت لكن بمادة في السنة الإعدادية. فكلية الهندسة كما تعلمون تبدأ بسنة تمهيدية يسمونها إعدادي هندسة. كانت في الحقيقة سنة ضائعة. فنحن التحقنا بكلية الهندسة لنفاجأ بأن معظم دراستنا في هذه السنة في كلية العلوم!! الرياضة البحتة...والتطبيقية....والفيزياء...كله في كلية العلوم. فيما بعد تدارك أساتذتنا هذا الأمر وصار طالب الهندسة يدرس من أول يوم بواسطة أطقم تدريس كليته.
من يعرف هندسة أسيوط..ويعرف قسم الميكانيكا بها ..يعرف قيمة تقدير جيد جدا هذا الذي حصل عليه معي ثلاثة فقط. هم طارق علي وأحمد عز وسيد رمضان - ربنا يغفر لي كنت أسميه سيد هتلر لأن شاربه كان يشبه شارب هتلر -
صرنا نحن الأربعة أقرب إلى أن نكون مدرسين بالكلية. فأساتذتنا يثقون فينا وزملاؤنا يستشيروننا في أمور الدراسة ويفزعون إلينا في المعضلات الدراسية. وما أكثرها في قسم الميكانيكا!!
ذات مرة انفجرت في أحد أساتذتي- وكان بيني وبينه ود كبير - قلت له ما هذا الذي فعلتموه بالكلية؟! نحن أعقد كلية هندسة في مصر كلها!!
لم ينف ذلك بل أكده لي وقال فعلناه عمدا فعندما تم انتدابنا من جامعة القاهرة لنكون أول فريق تدريس بهندسة أسيوط أردناها كلية عملاقة. وقد كان!!
كنا نعقد نحن الأربعة أو بعضنا ما يشبه محاضرات المراجعة لزملاء الدراسة قبل الامتحانات . وكانوا يتقبلون ذلك ويرحبون به.
تميز قسم الميكانيكا بأنه لا مذكرات لأساتذته. فهذا شيء يعدونه عيبا في حقهم. كانوا يترفعون أن يبيعوا علمهم في أوراق!!! كان هذا عرفا جميلا توارثه مدرسو وأساتذة القسم. لا أدري إن كان مستمرا إلي يومنا هذا أم تلاشى كما تلاشت قيم جميلة كثيرة من حياة المصريين.
كانت نصيحة أساتذتنا : استمع جيدا إلى المحاضرة ثم اصعد بعد ذلك إلى المكتبة. هناك كنا نجد المراجع العالمية باللغة الإنجليزية التي يدرسها طلاب الهندسة في كل جامعات العالم.
كان شيئا شاقا لكنه كان مثيرا. إنه تحد ليس بالهين. لكننا تجاوبنا معه. وصار شيئا محببا إلى النفس أن تدخر من مصروفك - أو من مكافأة التفوق- لتشتري مرجعا هندسيا عالميا يتعلق بدراستك
نحن الآن في الصف الثاني ونطمح نحن الأربعة أن نواصل تفوقنا
لكن كان هناك أمور أكبر وأهم لم تكن في الحسبان.
لا أذكر بالتحديد هل التحى سيد رمضان وأحمد عز قبل نهاية السنة الأولى أم في بداية السنة الثانية.
لكننا ظللنا نحن الأربعة متقاربين رغم أني كنت ناصريا عنيدا. فقد تأثرت في ذلك بوالدي والتحقت بمنظمة الشباب الاشتراكي قبل أن أكمل عامي الحادي عشر. لم يؤثر هذا التباين على علاقتنا نحن اﻻربعة وظلت جلستنا في مقاعد الدراسة كما هي كما لو كانت كمينا يفر منه المعيدون مبتعدين مؤثرين السلامة لأنهم يعرفون الصداع الذي سنسببه لهم عندما نشتبك معهم في بعض المعضلات الدراسية.
في البداية كان أصحابي الثلاثة يستهينون بالعبد الفقير ويرون أني لا أبلغ قدرهم. وكلما عرضت معضلة من المعضلات تداولوا بشأنها على مسمع مني وأنا بينهم دون أن يعيروا لي أي اهتمام. أحيانا كنت أهتدي إلى الحل قبلهم وبمجرد أن أبدأ في شرحه لهم يقاطعني أحدهم مؤكداً أن ما أقوله خطأ بالتأكيد!! كنت أرفع صوتي بالمثل الصعيدي الشهير ( كلام أبو لبدة ما يتسمعش ) وألزم الصمت وأتركهم يحاولون.. تمر الدقائق ثقيلة قبل أن يلتفت إلي أحدهم ليسألني عن الحل الذي أراه. أشرحه سريعا ثم أنهال عليهم تقريعا وسخرية لاذعة. تكرر هذا الأمر مرتين أو ثلاثا. فصاروا بعد ذلك يبدؤنني بالسؤال: أيوه يا أستاذ أبو لبدة إيه الحل؟!
بعد حوالي شهرين من بداية العام الدراسي بدأت انتخابات اتحاد الطلاب. كانت تجري مرة كل عامين.
كنت أعد لها مع زميل سابق لي تعرفت عليه أيام المدرسة الثانوية. والتحق معي بكلية الهندسة واكتشفت بعد عام أنه ناصري مثلي.
إنه الشيخ عصام دربالة رحمه الله.
كانت الانتخابات سببا في تعرفنا على ذلك النبت الوليد في الجامعة.
أعني الجماعة الإسلامية.

قراءة 2447 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top