يومياتي في معرض الكتاب "2 " .. رحلة في وجه مصر المشرق

يومياتي في معرض الكتاب "2 " .. رحلة في وجه مصر المشرق مميز

يومياتي في معرض الكتاب "2 " .. رحلة في وجه مصر المشرق

بقلم المهندس: أسامه حافظ

على أحد المقاعد الحجرية المنتشرة على جوانب الطريق بمعرض الكتاب جلست أستريح من تجوالي بين صالات الرصد واحتمي من المطر المنهمر تحت احدي المظلات لاستكمل بعد ذلك تجوالي وسرعان ما أخذني التأمل في رواد المعرض الكثيرون وهم يروحون ويغدون من حولي لا يبالون كثيراً بالمطر المنهمر وقد تبللت ثياب بعضهم وراح آخرون يحتمون من الماء بمظلات أو بالدخول إلى صالات العرض.

وأكثر ما لفت نظري أن أكثر رواد المعرض هم من الشباب حتى لكأنك وأنت تري هذه الألوف من شباب مصر بحيويتهم وتدفقهم وحماسهم ومرحهم وهم يحملون أرتال الكتب ويقلبون فيما لم يشتروه منها يتناقشون ويتحاورون وقد بدأ الاهتمام والجدية على وجوههم وقد اقتطعوا من قروشهم القليلة ما يغذون به عقولهم مؤثرين الكتاب على غيره من وسائل اللهو والترفيه لتشعر أن المستقبل الذي يحمله هذا الشباب على كاهله يحمل الكثير من الأمل والإشراق وأن كل ما يشيعه عواجيز الإعلام والبروبجندا عن هذا الشباب من أنه جيل التفاهة والمقاهي والمخدرات ليس صحيحا وأن الغالبية العظمي من هذا الشباب لا زالت بخير تحمل هم الوطن وتسعي لتطوير عقولها وتثقيفه برغم ما أورثناهم من ضغوط حياتية وضيق معيشة، فهم لا يزالون يحاولون الفكاك من هذا الضيق إلى رحابة الكتاب والثقافة.

نعم هذا هو شبابنا وإن حاولنا أن نقلل من قيمته ونستهين بطموحاته فهو الذي ينطلق بحماسة نحو المستقبل رغم تقصيرنا في إضاءة الطريق له.

وجذبني أيضاً أن أكثر هذا الشباب المقبل على الكتاب هو الشباب الملتزم بدينه المقبل على ربه.. تستطيع أن تري ذلك في مظاهر التدين في سمته ولباسه وأن تراه في حواره ونقاشه وأن تراه في الإقبال الهائل على الصلاة في مسجد المعرض الصغير الذي يضيق هو والساحة المقابلة له بالمصلين رغم المطر على رؤوسهم وتستطيع أن تراه فيما يحملون من مختارات الكتب التي يحملونها ومن إحصاءات الكتب المباعة والتي تمثل الكتب الدينية أكثر من 90% منها.

تستطيع أن تري في وجوه هذا الشباب وإقباله على دينه وعلى تنمية ثقافته وعلمه بالدين الفشل الذريع الذي مني به إعلان الإباحية والفساد الذي حاول أن يجذب الشباب بعيداً عن دينه فلم ينجح رغم سيطرته على وسائل الإعلام والدعاية.

وتستطيع أن تري فشل متثاقفي اليسار والعلمانية ودعاة الإعراض عن الدين وأنت تري كتبهم لا تجد مشترياً ودعوتهم لا تجد سامعاً والشباب منصرف عنهم وعن كتبهم وعن فكرهم.

تستطيع أن تري فشل كل دعاوي صرف الشباب عن دينهم في وجوه هذا الشباب الغض وفيما يحملون من كتب تمثل ما آمنوا به وما يتحمسون له.. وأعجبني أيضاً أن كثيراً من هذا الشباب يصطحب أبناؤه الصغار معهم إلي هذه التظاهرة الثقافية حتى من كان دون سن القراءة فيهم ويحاولون أن يشرحوا لهم بقدر ما تتحمل عقولهم ويشترون لهم ما يناسب سنهم من كتب مصورة وغيرها.

أعجبني حرصهم على إيجاد علاقة بين الطفل والكتاب واهتمام الآباء الشبان بذلك فإن ارتباط الإنسان بالكتاب يبدأ في هذه السن الصغيرة لتستمر مع الإنسان هذه العلاقة بقية العمر وان ذكري هذه الرحلة الجميلة مع الكتاب وصالات العرض ومرح الصغار تصنع علامة محبة وصداقة بين الطفل وبين الكتاب.. وما أجمل أن يهتم هؤلاء الآباء بتوريث أبنائهم هذه العادة الهامة والجميلة.

وقد لفت انتباهي أن بعضاً من رواد المعرض ممن تبدو عليهم رقة الحال وقلة الإمكانيات لم يحرموا أنفسهم من المشاركة في هذه التظاهرة الثقافية البديعة.. فهم وإنهم لم يستطيعوا المشاركة في شراء الكتب أو اقتناءها إلا أنهم آثروا أن تكون نزهتهم وترفيههم في التجوال بين الكتب والإطلاع على آخر ما أنتجته القرائح والأذهان من نتاج.. وهم حتى وإن حرموا الشراء إلا أنهم فضلوا التجوال بين الفكر ونتاج العقول على التسكع بين المقاهي والمتنزهات.

وقد أحسن القائمون على أمر المعرض أن جعلوا فيه سوقاً للكتب المستعملة بأسعارها المعقولة بعض الشيء عن كتب الصالات المشتعلة أسعارها ناراً تحرق جيوب رواد المعرض.. ولعل الزائر يلحظ حجم الإقبال على تلك الكتب بالقياس لغيرها نظراً لأن أكثر رواد المعرض من عموم الشعب المصري بسطاء الحال قليلي المال الذي يقتطع من قوته لشراء الكتاب.

مصر بكل شرائح شعبها تراها وأنت تتأمل رواد المعرض.. الطفل يمسك بثوب أبيه والشاب يمرح مع خلانه والمرأة تحمل رضيعها بيد والكتب باليد الأخرى والعجوز يتوكأ على عصاه والرجل يجر عربة كتب وتسير زوجه وولده إلى جواره وكلهم يحملون وجه مصر المشرق وأملها في المستقبل المضيء... هذه هي مصر الحقيقية.

قراءة 1534 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top