الناس ألوان رمادية

الناس ألوان رمادية مميز

الناس ألوان رمادية

بقلم: المهندس أسامه حافظ
قال لي صديق وهو يضرب كفا بكف وتصدر لقد قاطعني بعد طول ود واحترام فلما استوقفته وسألته مالك يا بني لا تلقي علي السلام ولا ترده علي عندما القيه, نظرا إلي شذرا وقال: لأنك اسبلت ازراك, قلت له: بغض النظر عن القول في الإسبال إباحة أو كراهة أو حتى حرمة.. ماذا إذن ستفعل إزاء الكفار والمرتدين أو حتى أصحاب الكبائر من اللصوص والزناة والقتلة, قال: كلهم عصاة, فلما وجدني انظر إليه مشدوها هز كتفيه ثم انصرف.
أثارت هذه الواقعة في نفسي الحديث عن آفة أخرى من تلك الآفات التي تمزق مجتمعنا ومنهم أبناء الحركة الإسلامية, وهي غياب الألوان الرمادية بدرجاتها المختلفة من الألوان والاقتصار على الأبيض والأسود منها فقط.
لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل النضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط بعد أسرهما ببدر رغم اكتسابهما قدرا من الحصانة بهذا الأسر بينما نهى أصحابه عن قتل العباس وأبي البحتري بن هشام أثناء المعركة وكلهم كان كافرا محاربا – هناك خلاف حول موعد إسلام العباس – بل أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن المطعم بن عدي – وكان قد مات كافرا – حيا وسألني أن أعطيه هؤلاء الفتنى – يعني أسرى بدر – لوهبتهم له).
وبالمثل فقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماء عشرة من كفار مكة ساعة لفتح وأمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة – قتل منهم ثلاثة وأسلم الباقون – بينما أرسل عمامته مع زوجة أحد الهاربين الذين قاتلوه في الفتح من أهل مكة – عكرمة بن أبي جهل – أمانا له ليعود إلى مكة حتى دون أن يشترط إسلامه

وكذا مع العصاة.
لقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بصلب وقطع أيدي وأرجل العرنيين بل وسحل أعينهم لما ارتكبوه من جرم الحرابة بينما قال لعاص آخر لما جاءه معترفا: (أصليت معنا), قال: نعم, قال: (اذهب فإن الحسنات يذهبن السيئات), وكذا في الآخرة هناك من يعذب في الدرك الأسفل من النار: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً), ومنهم من وصف بأنه من أشد الناس عذابا بينما هناك آخرون عذابهم ضحضاح من النار تغلي منها دماغه وقد نفعه الله تعالى بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم كافر مخلد في النار ولكنها دركات تتدرج على قدر ما يرتكب أحدهم من جرم إلى جانب كفره.
وكذا في الجنة هناك من هو في القمة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهناك أصحاب الأعراف يقفون بين الجنة والنار في انتظار عفو الله سبحانه وتعالى وفضله حتى يؤذن لهم بدخول الجنة.
وهكذا يجب أن يتعامل المسلم مع الناس يحبهم ويقترب منهم ويودهم ويواليهم بقدر اقترابهم من الدين أو يعاديهم ويكرههم وينفرمنهم بقدر ابتعادهم منه ناظرا لأعمالهم وجهدهم في خدمة الدين أو عدائه.
لقد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الصديق والفاروق وذو النورين يحبهم ويستشيرهم ولا يكاد يفارقهم وكان فيهم من قال فيه بئس أخو العشيرة ومن أمره أن يغيب وجهه عنه فلا يراه.
خلاصة ما أريد أن أقوله أن الموالاة والمعاداة لها مدرج أو سلم – كما يقول أحد أخواننا في رسالة الفها بهذا المعنى – يوضع عليه الناس بقدر أعمالهم وإيمانهم, وينبغي أن يكون الحب والاقتراب بقدر المكانة على هذا المدرج.
ولا يوجد بين الناس أسود بهيم وأبيض ناصع وإنما الألوان بينهما تتدرج بقدر إعراضه أوإقباله على الله عز وجل, وينبغي أن ننظر إلى الناس بهذا المنظار ونضع أيدينا في أيديهم ليزداد التألق والصعود فكلنا خطاءون وكلنا مقصرون, نذنب ونعمل الخير ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته فهو العمل المقبول كما قال الإمام الشافعي.
أما الهجر فالأصل فيه الحرمة وإنما يباح أحيانا في أحوال قليلة نادرة لتحقيق مصلحة لا تتحقق إلا به يقدرها أهل العلم وتكون لضرورة تقدر بقدرها وتزول بزوالها أو بذهاب المصلحة المرجوة منه أو بثبوت عدم جدواها في تح.

قراءة 3375 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top