الغابة (5)

الغابة (5) مميز

الغابة (5)

بقلم: الشيخ عبود الزمر
حلق الهدهد فوق مقر زعيم الفيلة ثم ضرب بجناحيه وهبط فوق غصن قريب منه , وبعد أن سلم عليه وأطلعه على خلاصة ما تم في عرين الأسد وكذلك على أحوال الاجتماع الذي حضره وفد الفيلة , إستأذن في الانصراف لإخطار الفيل الأبيض بالنوايا المبيتة ضده , فاستوقفه زعيم الفيلة قائلاً :

شكراً لك أيها الهدهد على ما تقوم به من مساعي خير وجميلك عندنا محفوظ ولكنني أرجو منك ألاّ تبلغ الفيل الأبيض بما يحاك ضده ودعني أتدبر الأمر .

الهدهد : لا شكر على واجب فأنا منكم ولكن أخشى أن تتأخر في إخطار الفيل الأبيض فيقع المحظور الذي لا يمكن تداركه .

زعيم الفيلة : لا تخشى شيئاً فإنني أود أن أعطي درساً عملياً تربوياً للقطيع كله.

الهدهد : أخشى أن لا يفطن الفيل الأبيض إلى خطورة الموقف وتحدث الفتنة بينك وبينه فتجتمع الأنصار من حوله ويستفحل الأمر على الحل .

الفيل : إننا لن نصل إلى هذا .

وقطع حيث الفيل صوت الهدهد يرتفع إلى أعلى في وثبة عاجلة , وهو يقول : لقد شاهدت الغراب اللعين يهبط جهة الشرق عند موضع الفيل الأبيض ويبدو أن الحديث أخذنا فلن نستطيع أن نحذره .

الفيل : لا تقلق على الفيل البيض فهو أخي ومن أبناء جيلي وهو عاطفي بعض الشئ ولكنه لا يمكن أن يخون القطيع أو يأخذ موقفاً هدّاماً وهكذا عهدناه ولكني أود أن أعلم أبنائي وأحفادي الفيلة كيف أن الفيل الأبيض بالرغم من اختلافه لم يقبل المساومة ؟ ولو أننا حذرناه قبلها فإن الفيلة لن تدرك هذا المعنى بل سنقول أن الفيل الأبيض لما علم بأنه مقتول عند الانتهاء من استخدامه بادر إلى العودة للقطيع ليحمونه من هجمات الذئاب . أما عند عدم تخذيره فإن الدرس سيكون واضحاً جلياً .

الهدهد : يبدو أن زعيم الفيلة يتمتع بخبرات واسعة ومهما كان الأمر فلقد سبق السيف العذل ووصل الغراب وبدأت المساومة فأرجو من سعادتك أن تسمح لي بالانصراف كي أعود إلى سائر القطعان حيث أنني على وعد معهم بالعودة إليهم بعد انتهاء المهمة .

قال الهدهد ذلك وهو يحلق في الهواء في طريق عودته إلى حيث الاجتماع الذي دعى إليه بينما بدأ كبير الفيلة في التحرك صوب الشرق ليرى نتيجة ما حدث هناك.

وبعد مسيرة عدة دقائق وصل إلى حيث موقع الفيل الأبيض فشاهده وهو يحطم بخرطومه عدداً من أطواق الخوص , بينما رأى الغراب ينعق في فزع وهو يحلق في اتجاه الغرب , اقترب زعيم الفيلة من الفيل الأبيض وسلم عليه وسأله: ما الذي أغضبك إلى هذا الحد يا أخي .

الفيل الأبيض : رسول من الوحوش جاءني يريد أن يشق صفنا ويستقطبني ومن وافقني من الفيلة إلى إبرام عقد أمان منفرد معهم يتم فيه إعطاء الداخلين فيه حق الحركة الآمنة في الغابة دون أ يتعرض لنا أحد .

زعيم الفيلة : وما هذا الذي تحطمه بخرطومك وتسحقه تحت أقدامك .

الفيل الأبيض :إنها أطواق عشرة أرسلوها إليّ كي نضعها على أعناقنا فتعرفها الوحوش إننا الداخلون في الأمان فلا يتعرضون لنا فلما قدمها إليّ أثناء حديثه غضبت واعتبرتها علامة خزي وعار لا يصح أن تبقى أمامي لحظة واحدة .

زعيم الفيلة : أحسنت صنيعاً يا أخي العزيز فهذا ظني بك دائماً مهما كان الخلاف في وجهات النظر .

الفيل الأبيض : ولكن الذي أتعجب له كيف عرفوا أنني أختلف معك في الرأي حتى يفعلوا كل هذه المناورة التي اتضحت فيها النوايا الخبيثة .

زعيم الفيلة : وما خفي كان أعظم !!.

الفيل الأبيض : ماذا تقصد يا أخي ؟!.

زعيم الفيلة : سأقص لك ما خفي عليك وما جاءني من معلومات خطيرة بشأنك ونحن في طريق عودتنا .

وبدأ زعيم الفيلة يحكي له تفاصيل ما جرى وسط دهشة الفيل الأبيض وعندما وصلا سوياً إلى حيث يسكن القطيع أعطى زعيم الفيلة إشارة الاجتماع العاجل لكافة الفيلة كي يشرح لهم الدرس التربوي الذي أراد أن يوصله إليهم وهو أن اختلاف الرؤي ووجهات النظر ليس مسوغاً للتحالف مع الأعداء أو التحول إلى معول هدم يشق الصف ويهدم القضايا التي تعاقدوا عليها مع سائر القطعان , ولم يفت زعيم الفيلة أن يجهز في ذهنه كلمة شكر وتقدير للفيل الأبيض على تصرفه الرائع الذى ظهر به في هذا الموقف وتقديمه للمصلحة العليا على حظوظ النفس وحب الانتصار للرأي .

(9)

وصل الهدهد في اللحظة التي تم فيها اكتمال حضور رؤساء كافة الفصائل فسلّم عليهم وهبط إلى جذع شجرة صغيرة على مقربة من الحضور وبدأ الحديث كبير الأيائل , حيث شرح الموضوع برمته ملخصاً كي يستوعب الجميع مامضى من وقائع .

ثم قال : إننا يا سادة في موقف محرج , فلقد تحالفنا مع الفيلة والخراتيت كقوة معاونة لنا في مجتمعنا وفي نفس الوقت لا نقدم لهم أي مقابل بالرغم من أنهم يتحملون عبئاً كبيراً في المعارك , والذي أخشاه أن تطول فترة الصراع كما هو متوقع فيزداد احتمال استجابة الفيلة والخراتيت للضغوط الداخلية ويطلبون الخروج من التحالف على استحياء , فلن نجد أمامنا إلا الموافقة مع شكرهم على ما قدموه لنا .

رئيس الجاموس الوحشي : ماذا تعني من كل هذه المقدمة ؟

رئيس الحمر الوحشية : يقصد أن نقدم لهم بعض الهدايا القيمة في مقابل ما يقدمونه لنا من خدمات .

رئيس الغزلان : لا يا حضرات إن ما تقدمه لنا الفيلة والخراتيت لا يقدر بثمن لأنها تضحية بالأرواح في سبيل المبادئ وبالتالي أرجو إفساح المجال أمام رئيس الأيائل لتكملة وجهة تظره .

رئيس الأيائل : شكراً لكم .. والذي أقصده هو أنه يلزمنا عرض فكرة تفاوضية نصل بها مع الوحوش إلى حلول وسط ننهي بها حالة الصراع ونستفيد من قوة التحالف قبل أن ينهار رغماً عنا جميعاً فنصبح لقمة سائغة في فم أكلة اللحم .

رئيس الأيائل : هذا هو الذي يجب أن نفكر فيه لأن فرصة التفاوض الآن سانحة تحت ضغط قوة التحالف من جهة وعجز الوحوش عن حسم الصراع من جهة أخرى , وبالتالي فإننا وصلنا إلى النقطة المؤثرة التي يقبل فيها الوحوش إمكانية الحلول الوسط .

الهدهد : إسمحوا لي يا سادة أن أثني على هذا التحالف خاصة وأنه بمضي الوقت وزيادة الخسائر في الفيلة والخراتيت سيشعران أنهما قد تورطا في معركة لا تخصهما كما ذكر أخي رئيس الأيائل , وبالتالي لابد وأن تتفقوا على سقف تفاوضي له حد أقصى من التنازلات لا يُسمح بتجاوزه .

رئيس الزراف : لا شك أن الوحوش تحب اللحم ولا يمكن أن نطالبها بالإكتفاء بالعشب لأن من ذاق طعم اللحم زهد في العشب , وبالتالي فإنه من الممكن أن ندفع إليهم بحالات الوفاة التي تحدث عندنا ويأكلون منها وهي في مجموعها ستكون مناسبة .

رئيس الحمر الوحشية : وإذا لم يرضوا بذلك يمكننا أن ندفع إليهم بالحالات المرضية المستعصية وإذا لم يوافقوا يمكننا أن نسلمهم كبار السن العاجزين عن الحركة .

رئيس الجاموس : وانا أدعم هذا الرأي لأنه واقعي وسيؤدي إلى حمايتنا من الهجمات المتكررة إذا ما وافقوا عليه .

رئيس الأيائل : أسجل اعتراضي يا حضرات على مسألة تسليم المرضى والعجزة من كبار السن لأنه ليس من المروءة أن نتعامل بهذه الطريقة مع من أصابه مرض , بل واجبنا هو حمايته وعلاجه حتى يشفى , وكذلك فإنه لا يليق بنا أن نسلّم جيل الآباء إلى الوحوش ليأكلوهم وهم قد سهروا على راحتنا وتربيتنا فنحن إن فعلنا ذلك هدمنا القيم داخل مجتمعاتنا ثم قال :"وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان" أما الموتى فإنني أوافق وأنا كاره لأنه لا غنى للوحوش عن أكل اللحم .

رئيس الغزلان : وأنا أنضم إلى هذا الرأي .

رئيس الزراف : وأنا كذلك .

وتتابعت باقي القطعان تؤيد الرأي الأخير باعتباره سقفاً معقولاً يمكن أن يشكل حلاً للصراع لو وافقت عليه الوحوش , وهنا بدأ التفكير في المفاوض الذي يصلح للمهمة فوجدوا أن الهدهد هو الأنسب لها لما فيه من صفات المفاوض والمحاور الذكي , وقرروا أن يكون الببغاء عضواً في الوفد لأنه يحفظ الكلام جيداً كشاهد معه على الحوار ويمكنه النقل بدقة عند عودتهم من جولة المفاوضات .

(10)

ذهب الوفد المفاوض ثم عاد سريعاً ليعلن عن فشل جولة التفاوض مع الوحوش حيث أصرت الوحوش على عدم قبول جثث الموتى لأن كثيراً من أكلة اللحم لا تأكل الجيفة , بل تحب اللحم الطازج , وطالبوه بأن يتم تسليم حيوان من كل صنف يومياً ليحصلوا على الأمان الكامل وإلا فسيستمر الصراع على أشده , وأكدت الوحوش على أحقيتهم في افتراس ما يشاءون من قطعان الماشية باعتبارهم سادة الغابة وأصحاب الكلمة العليا فيها , وسيزيدون من هجماتهم الجماعية على القطعان من كل صنف مهما كانت الخسائر .

تناقش رؤساء القطعان في هذه الردود الجافية , وأجمعوا على أنه لابد من مواصلة دعوتهم الفاضلة , والصبر على الأذى الذي يلاقونه وأنهم لو سلموا كل يوم هذا الكم الهائل من رؤوس الماشية لفنيت القطعان بعد شهور قليلة , وبالتالي فإن المدافعة هي السبيل الوحيد أمامهم للبقاء حتى يجعل الله لهم فرجاً عاجلاً .

ولم تكد تمر عدة أيام حتى شاهدوا طائراً يهبط إليهم وهو يصيح بشرى لكم يا أكلة العشب , فنظروا فوجدوه أبي قردان , فقال العديد من الطيور والحيوانات في صوت واحد : ماذا وراءك يا داعي الخير ؟!

فقال : لقد سمعت في المدينة المجاورة لكم أنه تم إنشاء حديقة كبيرة للحيوانات ويحتاجون إلى عدد كبير من أنواع الحيوانات المفترسة , وسيخرج غداً إن شاء الله صيادون متخصصون يركبون عربات مصفحة شاهدتها بنفسي ومعهم أسلحة تطلق رصاصات مخدرة حيث يتم تخدير الحيوان المطلوب , ثم ينقل إلى الحديقة , فلا تخافوا أنتم على أنفسكم , واسعدوا بحياتكم آمنين مطمئنين , فصاحت الحيوانات فرحة بهذا الخبر السار الذي جاء تتويجاً لصبر طويل ومعاناة مريرة فتنفسوا الصعداء وتبادلوا التهاني , في الوقت الذي شوهد فيه قطعان من الوحوش تفر إلى سفوح الجبال المجاورة بعد أن سمعت بالخبر وتستعد لملاقاة مصيرها في الغد بل وتمنى الكثير منهم أن يختفي وراء فروة حيوان مناسب لجسمه من أكلة العشب , ولكنها النهاية الطبيعية لكل معتد متجاوز.

(تمت)

قراءة 3432 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top