من فقه التواصل مع الناس

من فقه التواصل مع الناس

بقلم فضيلة الشيخ: عبود الزمر

أرسل الله تبارك وتعالى رسوله بالحق ليظهره على الدين كله وجعل رسالته عامة للبشر فقال تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )  وقال ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) وقال صلى الله عليه وسلم ( بعثت للناس كافة ) .

فدعوة الإسلام بلاغ إلى الكافة إنسهم وجنهم ألا يعبدوا إلا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا فمن استجاب فقد زحزح عن النار وفاز بحسن الخاتمة  وجنة عرضها السماوات والأرض وإن كانت الأخرى فلا يلومن إلا نفسه.

ولقد أدى رسولنا رسالة ربه على الوجه الأتم وعرض الإسلام على قومه وترفق بهم ولم يعجل عليهم  بالرغم من إيذائهم وإخراجهم له من بلده وهو صابر محتسب يقول لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا وقد تحقق ذلك بالفعل .

ولعل الملاحظ لحركة دعوة رسولنا إلى الله وهو يخاطب أطياف المجتمع سادة وعبيدا أغنياء وفقراء أقوياء وضعفاء كانت له لغته الراقية وأسلوبه الفريد الذي اعتمد المنهج العقلي والقلبي معا فخاطب الناس على قدر عقولهم ومس شغاف قلوبهم وتواصل مع قريش فلم يقطع أواصر القرابة بل دفع معهم بالتي هي أحسن وعفا عنهم فدخلوا في دين الله أفواجا بعد أن فتح الله له مكة وأظهره عليهم .

ولقد عالج الإسلام مبدأ الخطاب والتواصل والمحاجة مع مكونات المجتمع بتصنيفاته المختلفة كما بين العقوبات المشروعة التي تستعمل عند الخروج على النظام الإسلامي في تفصيل رائع ومنصف ليس هنا موضع الحديث عنه ولكن حديثنا ينصب على قضية  التواصل المشروع الذي يؤتي ثمارا طيبة ويوجه عناصر المجتمع إلى ما فيه الصلاح والفلاح .

فلغة الخطاب تتنوع من حالة إلى أخرى فالخطاب الموجه للحكام يختلف عن الخطاب الذي يوجه للعامة ودعوة الرجال لها مداخل مختلفة عن دعوة النساء والخطاب الذي نتوجه به للمثقفين يحتاج إلى إتقان يليق بعقولهم المتفحصة للأمور وهكذا الحال عند مخاطبة الأغنياء والفقراء أو العصاة أو المنافقين أو المبتدعين أو اهل الكتاب فكل طائفة لها رسالة ذات فحوى لابد وأن تصل في الصورة  التي تؤثر أو ترشد وترفع الإلتباس عن أصحابها وفي النهاية تنهض بالمجتمع إلى ما هو أفضل وأسمى  إن تأهيل وإعداد فريق من الدعاة القادرين على أداء هذه المهام هو أول الطريق الصحيح للوصول إلى مكونات المجتمع والتواصل  معه لأن التصدي لمثل هذه الأمور دون تخصص يؤهل لذلك يؤدي إلى فشل يعود بالضرر على حركة الدعوة إلى الله فلا يصح الإقدام على مثل هذه الأمور تحت دعوى عاطفة حب الدين والحماس لنصرته .

إن التواصل الجيد مع مكونات المجتمع وأطيافه يمر من خلال الفهم  المتجدد للتجارب السابقة في ذات المجال قضايا الأمة الكبرى كمدخل للتناول  ومراعاة المشكلات التي تتعرض لها الجماهير كي تتم معالجتها من منظور دعوى إسلامي يتحقق من ورائه التواصل المستهدف والرابطة المنشودة والتطوير المطلوب

كما أنه لن تتحقق الإفادة الكاملة من هذا التواصل إلا إذا كان القائمون على الخطاب قدوة حسنة  في الخلق والسلوك بما يجعل الحديث مقبولا يدخل إلى القلوب بقدر الصدق منهم في موافقة القول العمل وحسن التعبير عند عرض القضايا الى الجماهير

 ولعله يكون من المناسب أن تتناول بعض ما ورد من أثار  حول موضوعنا في هذا المقال لتوضيح قدر من الأدلة تؤكد صحة ما نقول

ففي البداية يتعرض القرآن للخطاب العام للبشرية ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم  إن الله  عليم خبير ) وقال جل شأنه محذرا كفار مكة إن هم أعرضوا عن قبول دعوة الرسول ( فإن أعرضوا فقد أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود  ) وخاطب أهل الإيمان  داعيا إياهم لحماية أنفسهم وذريتهم وكل من هم تحت ولايتهم من عقاب الله تعالى فقال ( يأيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها االناس الحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون )

وخاطب المنافقين الذي يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعدواة للدين فقال تعالى ( إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا وقال ( يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم)

وخاطب أهل الكتاب على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في محاجة لطيفة ( قل يا أهل الكتاب تعالو إلى كلمة سواء بيينا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ..) الأيات. وقال لموسى وهارون ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) وهكذا مواضيع كثيرة يتنوع فيها أسلوب الخطاب في لين عند بداية الدعوة ثم تحذير وتغليظ عند الإعراض  وهي حكمة بالغة من الله تعالى لنتعلم منها ونلتزم بها ولقد أرسى نبنا صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في تعامله مع كافة  أطياف المجتمع في المدينة وتابعه على هذا الخلفاء الراشدون ومن سار على الهدى من بعد في إدارتهم لشئون المجتمع .

ومن بين المشكلات التي عالجها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بحسن خطابه وتعبيره البديع عندما حزن بعض صغار السن من الأنصار عندما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقراء المهاجرين ببعض العطايا ولم يعط الأنصار فذكر لهم فضلهم في إيوائه ونصرته والتضحية من أجل هذا الدين ودعا لهم ولذريتهم من بعدهم بالرحمة والمغفرة والبركة في الرزق وأشار لهم بحبه إياهم ويكفيهم بأن يعودوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فبكوا حتى أخضلوا لحاهم.

وحينما تلاحى قوم من الأنصار عند أحد الأبار وذكر بعضهم بعضا بما كان في الجاهلية من قتال فثارت الحمية وتنادى القوم للشجار قام إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا ومذكرا وزاجراً (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) فسكن غضب الجميع ورجعوا الى الحق وعادت الألفه والمحبه وتناسوا هذا الموقف ولما اجتمعت الخوارج ضد الإمام علي رضي الله عنه بعث إليهم بعبد الله بن عباس فناظرهم بالحجهَ والبرهان فرجع أكثرهم عن موقفه ولم يقاتلهم إلا بعد أن أفسدوا بسفك الدماء .

وانظر معي أيها القارئ الكريم إلى موقف امير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين خرج عليه بسطام اليشكري المعروف بإسم (شوذب) فأرسل له رسالةَ جاء فيها : ( إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه ولست أولى بذلك مني فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس وإن كان في يدك نظرنا أمرنا )

وهكذا كان التواصل بين أطياف المجتمع كله بالدعوة والموعظة والتذكرة والمحاجه بالتي هي أحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والذكر أحيانا وإغلاظ القول إن كان الموقف يستدعي ذلك وحينئذ نكون قد أمسكنا بخيوط المجتمع نحدثه ونتعاطى معه ونبين له الحقيقة كاملة ولا نعتزل الحياة رافضين لها مع إمكان التأثير فيها بتقليل الشر ومدافعة أهل الباطل وإحلال مبادئ العدل والحق والخير والبر .

إنه من المنطقي والبديهي أن كل مسلم ينتحل فكراً مغايرا لدينه لايعرف حقيقة المنهج الإسلامي القويم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإذا أحسن القائمون على الدعوة التواصل بخطاب واضح المعالم  لن نجد هناك من يقول بأراء ماركس ولينين من بين المسلمين وعنده كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح من الأمة قال تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم)

هذا ونسأل الله تعالى أن يوفق إلى هداية أمتنا الإسلامية إلى دينها وأن يهدي عصاة المسلمين إلى الطريق المستقيم وأن يفتح أبواب الهداية أمام الخلائق أجمعين فهو الهادي والموفق إلى صراط الذين أحسن إليهم فلم يضلهم أو يغضب عليهم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.حجأاااا

حجأاااا

حجأاااا

قراءة 4591 مرات آخر تعديل على السبت, 07 أيار 2016 02:20
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top