الذكرى التاسعة عشر للمراجعات الفكرية ومبادرة الجماعة الاسلامية المصرية

الذكرى التاسعة عشر للمراجعات الفكرية ومبادرة الجماعة الاسلامية المصرية مميز

بقلم: حسن الخليفة عثمان

حشد جماهيري في مكان له رمزيته بتصريح وتأمين جهاز الأمن لإقامة الاحتفالية، وانتخابات مبكرة داخل الجماعة لإعادة الهيكلة والتغيير الشامل والكامل، وإعادة النظر في كافة الخطوات والمشاركات والقرارات والتحالفات بعد وقوع الانقلاب في مصر، والعكوف على إعداد مشروع التجديد، واستكمال رحلة المراجعات والتقويم، هو موجز ما نقترحه وننصح به فصيل الجماعة الاسلامية المصرية في ضوء استعدادها للاحتفال المؤجل بالذكرى التاسعة عشر لمبادرة وقف العنف والمراجعات الفكرية، التي تمثل مشروعا تاريخيا ملهما انعكست آثاره على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.
*
أما ما نحذرهم منه فهو خطاب غير مسئول في الآونة الأخيرة يفتقد الكثير من الرشد والانضباط لبعض الرموز والكوادر المتصدرة المتأثر بالعوامل النفسية والظروف الشخصية والحسابات الذاتية، وكذلك عدم الانتباه لما يُحاك لهم ويُدبر لهم أو قد دُبر لهم وفرغ منه؛ وما الأمر إلا مسألة وقت –في نظر مدبريه- إلا أن يشاء ربك شيئا.
*
لا نهدف بكلامنا هذا تأنيب القوم أو لومهم على موقفهم من رفض الانقلاب فهذا أمر أخلاقي ومبدئي لا خلاف عليه، ولا تأنيبهم على مروءتهم، أو الاستعلاء عليهم لما أثبتته الأيام من صواب رأينا ووقوع كل ما حذرناهم منه كاملا غير منقوص على يد حلفائهم، ومقربين منهم لا يكفّون ألسنتهم ليل نهار عن تشويههم وإهانتهم، والغمز واللمز في مشروع المراجعات الفكرية الذي أوقف شلالات الدماء في مصر في حقبة التسعينيات وأغلق باب حمل السلاح واستباحة الأرواح، وكدّر سعادة المغتبطين من التيار العلماني والتيار الديني الانتهازي بأنهار الدماء التي كانت تجري من ضحايا ضباط وأفراد الشرطة المصرية ومن أبناء الجماعة الاسلامية، وأعاد لمصر استقرارها وسلامها المجتمعي كما سنبسط الحديث عنه لاحقا بإذن الله؛ وإنما ما نريد قوله هو حتمية المراجعة الفورية والعاجلة، والتقويم الشامل، والانسجام مع سنة التغيير الكونية، والتحلي بصفة التجرد الحقيقي المنضبط بالشرع الحنيف الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها.
*
على الجماعة الاسلامية وذراعها السياسي قيادة وقواعد أن يعلموا عدم نظافة الكثير مما يدور خلف الكواليس السياسية من بحث للخروج من الأزمة ومأزق الدماء، وورطات كبرى، واشكاليات ناجمة عن تعقد الوضع الإقليمي والدولي وقابليته للانفجار المخطط ، وتدهور الوضع المصري الداخلي؛ بما أفسح المجال للبعض لممارسة ما يتميز به من منهجية الابتزاز واستغلال الأزمات لتحصيل مكتسبات وفرض قيم وأوضاع طواها الزمن ولفظتها النفوس وتكشّفت حقائقها، وعلى الجماعة الاسلامية المصرية أن تظل متمسكة ومؤكدة على أن الدولة المصرية بترشيد وتماسك مؤسساتها، وبعمقها العربي والاسلامي هي خيارها، وأن فرض حلول أجنبية ليس من مصلحة أحد، كما إن بقاء الجماعة ككيان مرهون بمصلحة الوطن والأمة وليس ثابتا من ثوابت الملة، فإذا ثبت باليقين أن مصلحة الوطن والأمة في حل كيان الجماعة والتحول إلى مؤسسة مناسبة تؤدي رسالتها ورؤيتها المنبثقة من مصلحة الوطن والأمة والمجتمع الانساني فإنني أنصحهم بالمسارعة الفورية وبالصورة المناسبة لاتخاذ هذا القرار والتحول في المسار.
**
الانتخابات المبكرة :
إن التغيير سنة الحياة، والتواصي به ييسر أمره، وتواصل الأجيال والرحيل الكريم عن موقع القيادة والعودة إلى ساحة ورحابة الجندية بما يمثل نموذجا ملهما يحتذيه الآخرون هو عمل خلّاق تستقيم به المسيرة، ويكشف عن خبايا النفوس ومعادن الرجال، وصحة مقاصدهم، ونبل غاياتهم، فهل بوسع الجماعة الاسلامية أن تقدم للساحة نموذجا في هذا المجال وتسن سنة حسنة يكون لها أجرها وأجر من عمل بها؟

**التغيير الشامل وإعادة الهيكلة :
وذلك له ثمن وله ثمر.

ثمن التغيير: المتمثل في احتمالية ظهور فريق أكثر تمردا وانقلابا قد ينتقل إلى الاتجاه المعاكس ؛ يواجِه التغيير بعنف وشراسة، مُخرجاً أدران النفوس في ثياب موشحة بالنصوص، واجترار الماضي والانجازات الشخصية والأهلية التي لا تُنافس.

ثمار التغيير: فرز نموذج بشري أكثر تجردا وانتماء لرسالته ووطنه وأمته وإنسانيته.

**مشروع التجديد :
وفيه أربعة محاور :

الحوكمة والانتقال إلى المؤسسية الحقيقية بمفهومها الحديث.
تغيير الخطاب.
المرحلة الثانية من المراجعة والتقويم الشامل والدائم.
المشروع العلمي وهو أهم المحاور، وعناصره هي :
أ/ العقيدة

ب/ الرسالة

ج/ المشروع الحضاري وفقه الواقع المتمثل في الرؤية العلمية والعملية لمعالجته بمحددات بعيدا عن العموميات والإنشائيات.

د/ الأهداف

**الاحتفالية:
لا أدري إذا كان تأجيل الاحتفال من يوليو الذي أطلقت فيه المبادرة في عام 1997 إلى أغسطس الذي شهد السادس منه عام 2010 رحيل مهندس المبادرة وقائد مسيرتها اللواء أحمد رأفت المصيلحي –رحمه الله- ورحيل رئيس مجلس شورى الجماعة وملهمها المفكر الدكتور عصام دربالة -رحمه الله- في التاسع من أغسطس، مقصودا أم لا؟ ليس عندي معلومة في ذلك، وإن كنت أتمنى أن يكون التأجيل مقصودا لذات السبب، وأن يكون الاحتفال معبرا تعبيرا حقيقيا عن وفاء الجماعة الاسلامية المصرية مع خصومها المفقودين أو الموجودين قبل أفرادها وقادتها المُحتَسبين، وأن يقدم صورة لائقة بفكر والهامات الراحل الدكتور دربالة.
**
إن أمثال اللواء إبراهيم عبدالغفار، واللواء عاطف شعير، واللواء خالد خلف الله، واللواء هاني الدغيدي، وغيرهم ممن كانوا من الداعمين للمبادرة وكثيرا ما باتوا في السجون أو قضوا فيها من الأوقات أيام الندوات والمحاضرات أكثر مما كانوا يقضونه مع أسرهم وعوائلهم ولم يدخروا وسعا في تذليل الصعاب لنجاح المشروع خلف اللواء أحمد رأفت –رحمه الله- الذي تحمل المسئولية كاملة أمام وزير الداخلية حبيب العادلي ورئيس الجمهورية حسني مبارك؛ إن هؤلاء يستحقون كلمة شكر وعرفان وامتنان بما أحسنوا يوما ما، أيا كانت درجة الاختلاف معهم لكن يبقوا أصحاب فضل في عمل جبار كان منه ما هو إنساني، وما هو أمني، وما هو سياسي، وما هو فكري، وإن ما يميز الجماعة الاسلامية المصرية كما تابعناها هي صفة الوفاء والمروءة، فلتحافظ الجماعة على تراثها وميراثها الأخلاقي والقيمي، ولا تتأثر بالمزايدات التي نتابعها ونعرف دوافعها وغاياتها، ولا تنشغل بها أو بتفنيدها فلن تخلد كلمة ليس بينها وبين الحق نسب.

فليكن الاحتفال على قدر الحدث، وليتم الاستعانة بالخبراء المختصين كل في مجاله، وبالمؤسسات والهيئات والرموز الوطنية المخلصة، فهذه مناسبة ليست ملكا للجماعة الاسلامية ولا لفئة بعينها، بل هي تجربة وطنية دفع الجميع ثمنها، وفاضت فيها أرواح محتسبة، وتسامى الجميع فيها على المحن والإحن، حتى تقبلها أهل الشأن بقبول حسن ورعوها حتى آتت ثمارها.

**المستفيدون من دعم مشروع المراجعات الفكرية:
**
المجتمع الدولي؛ إذا كان صادقا وجادا في معالجة مشكلة الإرهاب بالاستفادة من النماذج والتجارب السابقة.
**
الوطن العربي بأقطاره؛ التي انتشر بها فكر التكفير والغلو المؤدي إلى الإرهاب والفوضى.
**
الدولة المصرية؛ التي تعتبر صاحبة التجربة والسبق والتي بذلت الكثير حتى تمت التجربة بصرف النظر عن جنوح وانتقام السلطة الحالية وانحرافها عن الثوابت.
**
الجماعة الاسلامية؛ وتجديد دورها واستكمال المسيرة في إطار منظومة العمل الشرعي المؤسسي الوطني والعربي والدولي المنضبط ؛ بعيدا عن دهاليز التنظيمات وسراديب الكيانات غير الشرعية.
**
التحديات والعوائق:
*
منها ما هو خارجي: متمثل فيما يُبذل من جهود سلبية لبعض الحركات الاسلامية القريبة من الجماعة للتضييق عليها بالخارج في معيشة بعض أفرادها أو كلهم ومحاصرتهم بأساليب ووسائل وأدوات خلت في بعض صورها من أوليات المروءة والوفاء والإخاء، وكذلك تشويه صورتها عند الغرب لإبقائها فزاعة وهمية لاستعمالها على مائدة العلاقات مع الغرب! وذلك بعد أن رفض القضاء المصري تصنيفها كجماعة إرهابية أو ككيان إرهابي، ورغبة الغرب في قبول هذه الاتهامات ومكافأة أصحابها لتشجيعهم على مزيد من مثل هذه الممارسات، وعلاج هذا التحدي يكون بالاعتصام بساحة الوطن والعمق العربي والاسلامي، وأن يعلم الشعب المصري والقائمون على أمر الدولة المصرية، والشعوب العربية وحكام الدول العربية؛ أن الجماعة الاسلامية في مصر بتجربتها وحضورها ومصداقيتها ومبادئها ومروءتها ليست ملكا لبعض الرموز القابعة على موقع التواصل الاجتماعي والفضائيات أو أفراد يصيبون ويخطئون؛ وإنما هي مكّون من مكونات الوطن والأمة والمجتمع الانساني، الذي ننشد له العدل والحرية والسلام والوئام، ونستلهم من كل تجربة ما يدعم هذا الاتجاه؛ وعلى رأس تلك التجارب تجربة الجماعة الاسلامية بمصر، التي دفعوا ثمنها من أعمارهم وشبابهم وضربوا أروع الأمثلة في الصبر والاحتساب، والاعتراف بالخطأ في شجاعة ووضوح دون مراوغات أو خديعة، وفي وضع نهايات لمآزق وأزمات لم يكن يلوح في الأفق نهاية لها.
*
ومنها استغلال البعض للموروث التاريخي للجماعة الاسلامية، وما يمر به الجميع من أزمات اقتصادية ومعيشية، واستقطاب بعض الكوادر الممثلة للجماعة وحزبها بأدوات وفنون الاستقطاب المُحكَمة والمتعددة؛ كما لم يعد خافيا أن ثمة قرارا أو اتفاقا على التخلص من الجماعة الاسلامية المصرية بترتيب مع الخارج المصري وقبض الثمن الذي أدناه فائدة هو التخلص من كل من يبدو منافسا على الأرض أيا كان ضعف امكانياته أو تأثيره ما دام لا يحظى بالرضا، ومعالجة هذا التحدي يكون أولا بمزيد من الاعتصام بالمبادئ و “أن يذل الانسان نفسه لمبادئه ولا يذل مبادئه لنفسه”، والانطلاق إلى رحابة المجتمع الانساني المتراحم بمنظومة القيم العليا والكدح النظيف بعيدا عن دوائر العدوان التي تتسربل تارة بسربال الولاء والبراء، وأخرى بمصلحة الإسلام.
*
تحديات داخلية :
*
منها الجمود الفقهي: إذ لم يواكب التطور الفكري تجديد فقهي في أطروحاتها يفرق بين الثوابت والمتغيرات، ويجمع بين أصالة التراث ومعاصرة الاجتهاد، ويطرح من الحلول والخيارات ما يناسب سرعة الحدث، وجديد النوازل والملمات.
*
ومنها المراوحة في دائرة الحسابات التنظيمية الضيقة.
*
ومنها الذاتية: التي لازالت تخلف آثارها وتلقي بظلالها على مسيرة الكيان من قاعدته إلى قمته إذ لازالت ظروف الحالات تحول دون الانتقال إلى الظواهر والأجيال.
*
ومنها القبلية والتوريث: سواء على الصعيد الأسري أو العائلي أو المزاجي والنفسي بما يخلفه من آثار أبرزها الهِرم ونُدرة الشباب المؤهل في كافة المجالات والتمركز حول الذوات وافتقاد الطرح الرؤيوي المستقل.
**
إن ما أسلفنا ذكره بالمقال إنما هو رؤوس أقلام تركنا تفصيلها لإبداع أصحابها وقدراتهم وظروفهم التي لا نقف على الكثير منها، وقد أدلينا بدلونا وفاء وتقديرا لمن أثنينا عليهم في وجوههم أحياء، وما كان لنا أن نهيل التراب على سعيهم ونتجاهل ذكراهم أمواتا، فرحم الله اللواء أحمد رأفت الخصم النبيل، وسلام على عصام دربالة ناشر الحب وداعية السلام، وشكرا لكل من جعل الوفاء مبدأ به يبقى وعليه يرقى.

قراءة 2309 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top