حقائق مهمة حول مفهوم الوسطية (2) - ( وسطية الإسلام ليست وسطية حسابية )

حقائق مهمة حول مفهوم الوسطية (2) - ( وسطية الإسلام ليست وسطية حسابية ) مميز

بقلم: د.عبد الآخر حماد :

في علم الإحصاء المعاصر توجد عدة طرق لتحديد القيمة المتوسطة في مجتمع ما أو ما يسمى بمقاييس النزعة المركزية، ومن أهم تلك الطرق الوسط الحسابي والوسيط والمنوال، فالوسط الحسابي هو ناتج قسمة مجموع القيم على عددها ،والوسيط هو القيمة التي تقسم المجتمع إلى قسمين بحيث يكون ما قبلها مساوياً لما بعدها ، والمنوال هو القيمة الأكثر شيوعاً في المجتمع، فإذا أراد مدرس مثلاً أن يحصل على الوسط الحسابي لدرجات تلاميذه فإنه يجمع الدرجات التي حصل عليها التلاميذ ثم يقسم ذلك المجموع على عدد التلاميذ، وإذا أراد أن يعرف الوسيط فإنه يرتب الدرجات التي حصل عليها التلاميذ تصاعدياً أو تنازلياً وتكون الدرجة التي في الوسط هي الوسيط، وإذا أراد أن يعرف المنوال فإنه يبحث عن الدرجة التي تكررت أكثر من غيرها في درجات التلاميذ فتكون هي المنوال.

وكثير من الناس يظنون أن وسطية الإسلام هي من قبيل تلك المقاييس الإحصائية، وليس الأمر كما يظنون، فليست الوسطية الإسلامية وسطاً حسابياً بمعنى أنها تحتوي على نسبة متساوية من كل من الطرفين، كما أنها ليست وسيطاً بمعنى أنها تبعد بنفس المسافة عن كل من الطرفين؛ وهي كذلك ليست منوالاً بمعنى أنها ليست محاولة لإرضاء الناس والبحث عن الفكرة الأكثر رواجاً بينهم.


فنحن نعلم مثلاً أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الصفات بين المشبهة الذين غالوا في إثبات صفات المولى عز وجل حتى شبهوه بالمخلوقين، والمعطلة الذين نفوا صفاته تعالى فراراً من التشبيه بزعمهم، ومع ذلك فمسافة ما بين أهل السنة وأهل التعطيل أبعد من مسافة ما بين أهل السنة وأهل التشبيه؛ قال في شرح الطحاوية: "وشبهة النفي أردأ من شبهة التشبيه، فإن شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وشبهة التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم" (شرح الطحاوية لابن أبي العز ص: 259).


وفي واقعنا المعاصر كان يقال دائماً إن الإسلام وسط في باب المال والاقتصاد بين الرأسمالية والشيوعية، ومع ذلك فالرأسمالية مع فسادها وضلالها أقرب منهجاً إلى الإسلام من الشيوعية، ولا يصح أن يقال إن الإسلام يقف في المنتصف تماماً بين الرأسمالية والشيوعية، أو أنه يلتقي مع كل منهما بنسبة متساوية.

وها هنا مثال من الأقوال المعاصرة يصلح دليلاً على ما أقول ،وهو ما أفتى به بعض المعاصرين من أنه لا بأس بمصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، ولكن عليه ألا يطيل في مدة المصافحة، وهو يعتبر ذلك وسطاً بين التحريم المطلق والإباحة المطلقة ،وهذه الوسطية هي فيما أرى وسطية بالمعنى الحسابي وليست وسطية بالمعنى الشرعي، وذلك أن الأدلة الشرعية قد جاءت دالة على تحريم مس الرجل للمرأة الأجنبية ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أصافح النساء» [أخرجه النسائي (7/149) وابن ماجه (2874)، وأخرجه الترمذي (1597) بنحوه كلهم من حديث أميمة بنت رقيقة ،وصححه ابن حبان في صحيحه (4553) والحاكم (4/71)، والألباني في السلسلة الصحيحة (529)]، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "والله ما مسَّت يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام" [رواه البخاري(4891)، (5288) ومسلم (1866)].


وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد خير له من أن يمس امرأة لاتحل له» والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (20/211) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/326) رجاله رجال الصحيح، وأورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 226) وعزاه للروياني في مسنده وقال بعد أن ساق إسناده: "وهذا سند جيد ،رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن الحسن".

ومن أدلة التحريم كذلك أنه إذا كان الله تعالى أمر بغض البصر ،فإن اللمس والمصافحة أشد من النظر، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب (الأذكار، ص 228): "وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد".

وقد اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية إلا أن بعضهم استثنى مصافحة العجوز التي لا تشتهى، أما الشابة فقد اتفقت أقوال المذاهب الأربعة على المنع من مسها إلا لضرورة كالتطبيب وخلع ضرس ونحوه إن لم يوجد من تقوم بذلك من النساء، وإليك نتفاً من أقوال المذاهب الأربعة في ذلك:

فمن أقوال الحنفية ما جاء في (الهداية شرح البداية، 4/83): "ولا يحل له –أي للرجل الأجنبي - أن يمس وجهها ولا كفيها وإن كان يأمن الشهوة لقيام المحرم وانعدام الضرورة والبلوى".


وعند المالكية جاء في (الشرح الصغير للشيخ الدردير، 4/760): "ولا تجوز مصافحة الرجل المرأة ولو متجالة"، والمتجالة هي التي لا أرب للرجال فيها.

ومن أقوال الشافعية ما نقلناه عن الأذكار للإمام النووي وقريب منه قوله في (المجموع، 4/635): "وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، وقد يحل النظر مع تحريم المس ؛فإنه يحل النظر إلى الأجنبية في البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحوها ولا يجوز مسها في شيء من ذلك".

وأما مذهب الإمام أحمد فقد جاء في (الآداب الشرعية لابن مفلح، 2/246): "قال محمد بن عبد الله بن مهران: إن أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- سئل عن الرجل يصافح المرأة, قال: لا, وشدّد فيه جدًا, قلت: يصافح بثوبه, قال: لا".

ومن أمثلة الوسطية الحسابية أيضاً القول بأنه إذا كانت المصافحة بغير شهوة جازت وإلا حرمت، وهذا القول كسابقه ليس عليه دليل، بل عموم الأدلة قاض بالمنع المطلق، وقد امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء مع أنه أتقى الخلق وأخشاهم لله، فليس لمن دونه أن يصافح مدعياً أنه طاهر القلب سليم النية، والله أعلم.


وبهذا يظهر لنا خطأ من قال من أهل العلم المعاصرين إنه يعتبر من قلة (الذوق) أن يدخل على جماعة من النساء والرجال فيصافح الرجال ويترك النساء، ونحن نقول إنه لا أدب أفضل مما جاءت به شريعة الله تعالى، فالشرع هو الحكم وهو الذي يحدد ما ينبغي وما لا ينبغي لا أعراف الناس وأمزجتهم، وما أحسن ما قاله الدكتور البوطي في هذه القضية ؛إذ ذكر أنه لا يعلم خلافاً بين علماء المسلمين في حرمة ملامسة الرجل لبشرة امرأة أجنبية عنه إلا لضرورة، ثم قال: "وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، كما قد يتوهم بعض الناس فليس للعرف سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة" (فقه السيرة ص: 415).


وللحديث بقية إن شاء الله

قراءة 2460 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top