اعتبار المآلات ..

اعتبار المآلات .. مميز

بقلم: المهندس أسامه حافظ

اعتبار المآلات ..( إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية ).

" ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه ".. البخاري , أتذكرون هذه العبارة من قول النبي صلى الله علية وسلم؟ لقد قالها في وصف انسحاب جيش المسلمين في مؤتة لقد خلع النبي صلى الله علية وسلم على خالد بن الوليد لقبة الذي اشتهر به " سيف الله " في معركة انسحب فيها بالجيش.. ووصف إنسحابه بالفتح وليس في انتصار من انتصاراته العظيمة التي زينت كتب التاريخ .

وذلك إن انسحابه هذا أستنقذ به جيشاً قوامه ثلاث ألاف من مئتى ألف مقاتل رومى مما يترتب علية الإصرار على القتال من مهالك فأصّل صلى الله علية وسلم بقولة أصلا عظيماً من الأصول التي أعتبرها الفقهاء في اجتهاداتهم وهو مبدأ " اعتبار المآلات " فما هو هذا المبدأ ؟

يعرفه البعض بأنه " ملاحظة المآلات التي تتمخض عن تطبيق الأحكام الشرعية " أو بتعريف اشمل انه ملاحظة المآلات التي تتمخض عن تطبيق الأحكام الشرعية والتصرفات المطلقة عند إرادة إصدار الحكم عليها من قبل المجتهدين "
أو هو موافقة الأفعال في المآل للمقاصد والغايات الشرعية 
وهو مبدأ كما هو ظاهر يتعين مراعاة التطابق بين قصد المكلف في الامتثال وقصد الشارع في وضع التكليف.

والمآل – ما يؤول إلية الشيء – من حيث تحقق وقوعه درجات

الأول: قطعي التحقيق " كمن يحفر بئراً خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه لا محالة " وهذا أتفق العلماء على وجوب اعتباره بغض النظر عن قصد صاحبه ورتبوا علية الضمان .

الثاني: ما كان مظنوناً ظناً غالباُ ولا يتخلف إلا نادراً كبيع سلاح وقت الفتنه وبيع العنب للخمار . وهذا قد أختلف الفقهاء في إعتبارة , فالحنابلة والمالكية وبعض الشافعية إعتبروه لآن الظن في العمليات يجرى مجرى العلم .

بينما ذهب الأحناف وأكثر الشافعية إلي عدم إعتبارة وإن كان الشافعية كرهوا كثيراً من تطبيقاته وفروعه وبالتالي فهم أقرب لمراعاته من الأحناف .

الثالث: ما كان مظنوناً ظناً غير غالب أي أنه يحدث كثيراً كثرة لا تبلغ غالب الأحوال .. فهذا موضع نظر والتباس

كما ذكره ألشاطبي وقد أعتبره أحمد ومالك وان استكثر مالك من إعتبارة في فروعه .أما ماكان نادر التحقيق فإنه هنا باق علي أصل الاذن فيه فلا اعتبار للندرة في انخرامه مثل حفر البئر بموضع ظاهر ومثل زرع العنب وخلافه

والأدلة على اعتبار المآل أكثر من أن تحصى وتنوعت الأساليب في عرض نسوق بعضها منها.

" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم "

" أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا "

" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلده ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون", " ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن " .

ومن السنة

" ... حتى لا يقال أن محمد يقتل أصحابه " مسلم ,أمتنع عن قتل المنافقين – مع استحقاقهم – حتى لا يقال أن محمدا يقتل أصحابة

" ...... من ولى علية وال فرأى منه شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا من طاعة " مسلم

لما يؤول إليه من قتال وفتن .

" ....... فلم اسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس ( كذب ) إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها " مسلم , فأجاز الكذب لما يترتب علية من مصلحة .

ـ النهى عن الخلوة والسفر بدون محرم حذراً مما يؤول إلية من الوقوع فيها هو أشد

ـ ” نهى أن يسب الرجل والدية ....."

ـ " نهى عن شرب النبيذ بعد ثلاث ......" لما قد يؤل إلية من إسكار هذا وقد أمتلأ فقه الصحابة رضوان الله عليهم بالفتاوى المبنية على فقه المآلات لجمع المصحف وقتل الجماعة بالواحد والامتناع عن قسمه أراضى الفئ والمنع من تزويج الكتابيات .. وقد كان لعمر بن الخطاب رضى الله عنه القدح المعلى فى ترسيخ هذا المعنى.

ضوابط الاجتهاد المآلى :

لم يترك الأئمة هذا الأمر لكل من أراد إعتبار شئ أن يجتهد فية وإنما وضعوا ضوابط استمدوها من الشرع تحكم هذه المسأله لتحقق المقصود منها وأبرز هذه الضوابط .

1ـ أرجحية احتمال الوقوع .

2ـ أن يكون المآل المستهدف موافقاً لمقاصد الشريعه .

3ـ أن يكون الأمر المتوقع منضبط المناط والحكم بمعنى أن علته ظاهرة منضبطة دائماً .

4ـ ألا يوقع اعتبارها فى مآل أعظم منه .

هذا ولاعتبار المآل طريق وقائى وطريق علاجى فالطريق الوقائى هو الطريق الذى يمنع إبتداء وإنشاء المآل أو كما يسميه الفقهاء أحداثة .ومن هذا الطريق مجموعه من القواعد التي إنتشرت فى كتب الأصوليين نسوق منها .

( سد الذرائع – الضرر الأشد يزال بالضر الأخف – درء المفاسد مقدم على جلب المصالح – إبطال الحيل – يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام "

أما الطريق العلاجى فيفترض الوقوع فيه فيسعى لعلاجه عن طريق قطع الفعل وإزالته اثاره ثم ترتيب الجزاء والضمان علية .

بقيت فى هذا الموضوع مسألة وهى كيف يعرف المآل لكى نعتبرة . هناك صور مختلفة يعرف بها المآل نسوق منها .

1ـ التصريح بالنص سواء كان نصاً شرعياً مثل " إذا كنتم ثلاثة فلا يناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه " فنص على سبب منع التناجى وهو إحزان الثالث , " .. أنظر إليها فإنه احدى أن يودى بينكما "

أو نصاً قولياً أى أن الفاعل يصرح بغايته من الفعل كأن يعلم البائع قصة المشترى للسلاح أو العنب من قولة

2ـ الظنون المعتبرة وقد اعتبرها الحنابلة والمالكية وبعض الشافعية .

3ـ القرائن والملابسات كاعتبارهم القيافه فى إلحاق النسب وكحديث إبن عباس فى الرجل الذى جاء يسأل عن توبة القاتل .

4ـ التجارب وهو إختبار الشيء مرة بعد مرة . كأقوال الفقهاء فى كثير من أحكام الحيض وقول الشافعية فى الماء المشمس وهو ما يمكن أن نسمية العادة .

5ـ يمكن إضافة كثير من الأدلة والأشياء المستحدثة والتى لم تكن فى كتب القدامى مثل التحاليل الطبية وإختبارات الجينات وغير ذلك .

وبعد فالإجتهاد بحوره واسعة تستدعى إلى جانب علوم الفقه التقليدية ثقافة واسعة وفيها لقواعد وأصول مبنية على مقاصد الشرع ومصالحه . وإلى لقاء فى قاعدة جديدة

قراءة 6789 مرات
إدارة الموقع

TAG_NAME_AUTHOR_POST

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Top