"حقيقة الأمن القومي"

"حقيقة الأمن القومي" مميز

يعتبر بعض الحكام أن الأمن القومي للبلاد يتمحور حول حماية كرسي الحكم وقد يتم ذلك بتشديد القبضة الأمنية على المعارضين وإغلاق منافذ الحريات، وفتح أبواب المعتقلات أمام كل من تسول له نفسه منازعة الحاكم أو المطالبة بتداول السلطة أو الإصلاح السياسي، فكل ذلك يعتبره الحكام خطاً أحمر لا يجوز عبوره، وسلكاً مكهرباً يصعق كل من يقترب منه.

وبالتالي فإن أي مخالفة من هذا النوع يعتبرونها تهديداً لأمن وسلامة البلاد، كما أنه لا بد من التوضيح أن الأمن القومي ليس مجرد ترتيبات ضد الأخطار الخارجية المحدقة أو الاضطرابات الداخلية فحسب بل إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فالتهديد الحقيقي الذي لا يستطيع أحد مدافعته هو العقوبة الإلهية القدرية التي تنزل بالمخالفين عن أمر الله العاصين له، فتلك العقوبة نزلت بالأمم السابقة ولا تزال تنزل ولكننا لا ندرك ذلك، فانظروا معي مثلاً إلى عقوبات عشناها كإعصار تسونامي الذي ضرب سبعة شواطئ للعراة في بلدان مختلفة فقضى على الآلاف من البشر، وهدم مساحة هائلة من المباني والمنشآت، وكالزلازل والبراكين التي تدمر قرى بالجملة والصواعق الحارقة والفيضانات المهلكة للزرع والحيوان والإنسان، فهل أفاق أحد على وقع هذه الكوارث وأعاد النظر في ترتيب أمورة وتحديد نقطة انطلاقة التي يجب أن يبدأ منها ألا وهي الصلح مع الله، إذ أن هذا الصلح يعد خط الدفاع الأول للأمن الوقائي ضد الكوارث والنوازل والزلازل والقحط ونحو ذلك من المهالك.

ولا يمكن أن أتصور صلحاً مع الله دون أن يبدأ بالتوبة عما مضى من غفلة وتقصير وذنوب ومعاصي.

ولا شك أنه لن تجدي خطط استراتيجية ورؤى مستقبلية دون ما ذكرت آنفاً، فليس من المعقول أن تبقى البنوك تتعامل بالنظام الربوي دون أن يكون مردود ذلك هو دمار الاقتصاد القومي فالله تبارك وتعالى يقول " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ".

وهل يمكن أن يتصور أحد أن سد النهضة في حد ذاته مثلاً يسد علينا باب الرزق والله هو الرزاق ذو القوة المتين ؟ وهل يظن أحد أن إزالة كافة السدود من على نهر النيل يمكن أن تكون سبباً في تدفق الماء إلينا وقد قضى الله بحبس المطر من السماء فلا تنزل قطرة منه إلى الأرض ؟!، وهل يتصور أحد أن وجود مظلومين داخل السجون يمكن أن يمر دون أن يستجيب الله لدعائهم على الظالمين لهم، وما يترتب على ذلك من الضرر العام ؟ " إتق دعوة المظلوم فإنها ليست بينها وبين الله حجاب ".

إن من أسباب حصول الأمن الحقيقي هو تحقيق العبودية لله " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " وأيضاً شكر النعمة يزيدها، ونعمة الأمن من بينها " لئن شكرتم لأزيدنكم " كما أن لزوم الاستغفار يعد أحد صمامات الأمان من العقوبة الإلهية " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ".

هذا ولا يتعارض ما أقوله مع الأخذ بأسباب القوة لردع المعتدي الخارجي " وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم "، وأيضاً لا يتعارض ما أقوله مع وجوب تأمين الجبهة الداخلية، ولكن ليس بقوات الأمن وحدها، بل بتنمية المشاركة السياسية حتى يشعر المواطن بأن الوطن وطنه فيبذل وسعه في حمايته من خروقات الأعداء ومن السلوكيات الوافدة المدمرة للأخلاقيات والقيم، كما يحافظ على نسيج المجتمع من التفكك والتمزق تحت دعوى العرقية أو الطائفية أو المذهبية.

وختاماً فإن معالجة هذا الباب على النحو الذي ذكرت هو من التأمين الحقيقي للمجتمع ويندرج تحت ذلك العمل على رضا الله وكسب محبته بإعلاء كلمته وإقامة العدل وإنصاف المظلوم ومقاومة الفساد حتى نحفظ مجتمعنا من أي أخطار تحيق به أو أي معاول هدم تستهدف كيانه، ومتى ارتبطت صلتنا بالله وكانت حركة المجتمع تسير وفق إرادته اطمأنت قلوبنا جميعاً إلى توفيق الله لنا في كل شئوننا، حفظ الله مصرنا من كل مكروه وسوء والله المستعان.

قراءة 10960 مرات
Top